تسجيل الدخول

تسجيل الدخول

        khlaas2016.7.8

المرصاد نت

بعد ثمانية أعوام من اندلاع الثورات العربيّة لم يجد بعد المطلبان الرئيسيّان: «الشعب يريد إسقاط النظام» و«شغل، حريّة، كرامة وطنيّة» اللذان رُفعا من تونس إلى دمشق مروراً Arab contray2019.3.6بالبحرين ترجمتهما السياسيّة الاقتصاديّة والاجتماعيّة. قُدّمت أطروحات كثيرة داخليّة وإقليميّة لتفسير هذه الصعوبات غير أنّ هذين الشعارين، اللذين استهدفا الدولة وجعلا منها في نفس الوقت مسؤولة عن إيجاد حلول بوصفها مشغّلاً وضامناً للسيادة الوطنيّة يعقّدان أكثر توصيف الديناميات الاجتماعية والسياسية الموجودة في الواقع . هذه المفارقة التي يصعب نفيها أو حصرها أنتجت أطروحات تبسيطيّة: قراءة تختزِل المسار الثوريّ في رهانات التحرّر السياسي والاقتصادي، في مقابل قراءة أخرى تركّز على دور الدولة في إدارة المشاكل الاقتصاديّة والسياسيّة.

لكن لا تصمد هذه الأطروحات أمام الوقائع وتطرح سؤالين أساسيّين: ما دلالة عودة «السيادة الوطنية» في الأجندة السياسيّة للدول العربيّة؟ في منطقة تشهد حروباً وإصلاحات نيوليبراليّة، هل ما زالت الدولة (وأيّ صنف من الدول) تمثّل موضوع تحليل ملائم لفهم الواقع الراهن؟ وخاصة: هل تمتلك الدولة موارد سياسيّة اقتصاديّة ورمزيّة حتى تستجيب لمطلب التحرر الذي تنادي به شعوب المنطقة؟

وإن أظهرت الثورات العربيّة عام 2011 أنّ الاقتصادات الوطنيّة تعاني من نفس المشاكل الهيكلية مثل التركيز على عدد قليل من القطاعات، نسب بطالة من بين الأعلى في العالم، إدارة ريعيّة للموارد وفساد موجّه ومنظّم من قبل الأوليغارشيات العشائريّة في السلطة، فإنّها سلّطت الضوء على ظاهرة كثيراً ما يُقلَّل من أهميتها تتمثّل في تلاقي المنطق النيوليبرالي مع الممارسة السلطويّة و«الزبونيّة» للحكم، كقاسم مشترك بين مجموع الدول ما بعد الاستعمارية في المنطقة. ولمزيد في فهم التحديات المطروحة على الأنظمة العربية، يمكن تبنّي منظور مزدوج. من ناحية العودة إلى تاريخ تشكّل الدول في المنطقة لفهم العلاقات المتوترة بين الحكام والشعوب؛ ومن ناحية ثانية، الكشف عن أبعاد وتداعيات مشروع الإضعاف الممنهج للدول العربية عبر الحروب و/أو مختلف الإصلاحات الهيكليّة المفروضة من طرف الجهات الدوليّة المانحة.

ما هي الدولة العربيّة؟
الدولة هي مفهوم ذو أصول أوروبية، وضع بين القرنين السادس عشر والتاسع عشر ورافق تطوّر الرأسماليّة وبروز البورجوازيّة. يعني المفهوم من وجهة نظر تنظيميّة تأسيس بيروقراطيّة إداريّة تتركّز لديها السلطة وتحتكر العنف الجسدي والرمزي الشرعي، تمارس سيطرة على الموارد ورقابة اجتماعيّة عبر مؤسسات مثل الجيش، الشرطة، البيروقراطيّة أو المدرسة.

وإن كان البناء المؤسساتي لهذه الدول الوطنية شديدة الاندماج قد تمّ في أوروبا بسيرورة داخليّة متجانسة مع المخيالات الجماعيّة المحلية التي تقنّن العلاقة بين الفرد والجماعة في كلّ بلد فإنّ ذلك لا ينطبق بالضرورة على الدول العربيّة المنبثقة عن تقسيم استعماري. إذ إن الحدود الوطنيّة في البلدان العربيّة التي فُرضت عبر اتفاقية «سايكس بيكو» في 16 أيار/مايو 1916 وخاصّة عبر معاهدة «سيفر» عام 1920، لا تتطابق مع تطلعات الشعوب التحرريّة قدر تطابقها مع تقسيم النفوذ والموارد الطاقيّة في المنطقة. أنتج ذلك مسارات دولنة متنافرة وملتبسة: دول مندمجة مثل تونس، مصر، الجزائر؛ جماعات دون دول لكنها تتطلّع لتأسيس دولها (الفلسطينيّون وصحراويو جبهة البوليساريو)؛ أو حتى جماعات لها دول مفكّكة مثل لبنان بعد بداية الحرب الأهلية في 1975.

يمكننا أيضاً الحديث عن حالة ليبيا التي أطلق فيها العقيد معمر القذافي حين وجوده في السّلطة ثورة ثقافيّة إسلاميّة، بتاريخ 16 نيسان/أبريل 1973 وأعاد عام 1977 تنظيم مؤسساتها عبر إخضاع الثورة الشعبيّة لنظام سلطويّ اتُّخذت ضمنه القرارات السياسيّة، الاقتصاديّة، العسكريّة والدبلوماسيّة بشكل فوقي وخارج المؤسسات السياسيّة الممثّلة لـ«الشعب». يوجد كذلك نموذج آخر وهو اليمن الشمالي.

ولقد ورثت دول ما بعد الاستقلال بنيتين اقتصاديّتين متراكبتين: البنية الرأسماليّة التي سادت في القطاع الصناعي بعد تأسيسه من طرف المشروع الاستعماري وورثته نخب السلطة الجديدة، تحيط بها بنية قائمة على علاقات الإنتاج السائدة تقليديّاً في عالم الزراعة، ينظّمها الانتماء الجماعيّ وتتطور خارج الاقتصاد الرسمي. ورثت هذه الدول أيضاً نمط الحكم العسكري ـــــ البيروقراطي للإدارة الاستعماريّة، الذي حافظت عليه النخب المحليّة عبر المحاكاة حتّى ترسّخ هيمنتها على المناطق الثريّة وتسيطر على الهويات القبليّة و/أو الإثنيّة البديلة (البربر في المغرب الأكراد في سوريا والعراق، الشيعة في البحرين، إلخ) التي تواصل تحدي الدولة وتساءل شرعيّتها باستمرار في غياب سرديّة تاريخيّة موحِّدة.
هذا هو تاريخ بروز الدول «المتوحّشة» ـــــ وفق عبارة الكاتب السياسي نزيه أيوبي  ـــــ التي تتميز بأهميّة الأجهزة الأمنيّة الحفاظ على روابط قويّة بين الجيش والعشائر الاقتصاديّة والسلطة وبقطيعة نسبيّة عن القوى الاجتماعية والاقتصادية المحليّة.

ولا تزال هذه الدول تعاني من تشوّهات بنيوية موروثة عن تاريخ نشأتها إضافة إلى غياب سرديّة تأسيسيّة تضمن لها الشرعيّة التاريخيّة اللازمة لاختراق المجتمع والوحيدة الكفيلة ببناء علاقة مفصلية بين سياسة الضرائب المشاركة في القرار السياسيّ والدولنة. ولعل الالتجاء المنتظم والموظّف للأيديولوجيّات على غرار القوميّة العربية أو الإسلامويّة السياسية لأهم دليل على هذه المصاعب.

دول «متوحّشة وريعيّة» مفاتيح إصلاحات ليبراليّة
للبقاء في السلطة حافظت النخب المحليّة على سياسات اقتصاديّة مؤسسة على منطق ريعيّ، لا تعني حصريّاً الدول البتروليّة. أغلب الدول العربية فضّلت سياسة تنمية الاستهلاك على حساب سياسات تنمويّة بديلة وضرورية لتنويع الاقتصاد قد تشكل تهديداً بخلق فاعلين منافسين جدد لنخبة السّلطة. وهذا ما يفسّر قلّة التنوع الذي يميّز الاقتصاد العربي المتركّز في ثلاثة أو أربعة مجالات مرتبطة بالقطاعات الأوليّة أو بقطاعات صناعيّة ذات قيمة مضافة منخفضة وكذلك تفاقم ظاهرة الاقتصاد غير الرسمي. كمثال على ذلك فإنّ الجزائر التي تستمر إيراداتها الخارجيّة في الاعتماد بصفة رئيسيّة على المحروقات عرفت تراجعاً للقطاع الصناعيّ ناهيك عن الزراعة التي تعاني من سياسات تكون أحياناً متناقضة ولا تستغل كل إمكانياتها.

وتجدر الإشارة إلى أنه خلال عقدي الخمسينيّات والستينيّات وتحت ضغط نخبة سياسية اشتراكية أو قومية عربية تبنّت أغلب دول ما بعد الاستقلال سياسات طوعية للاستثمار في الموارد البشرية من خلال تنمية الخدمات العامة: صار القطاع العام المشغّل الأول، ما سمح لنخب السلطة الحفاظ على نوع من «السلم الاجتماعي» مع الشعوب. الموجات الأولى للَّبرَلة خلال السبعينيّات، التي اشتدت في نهاية الثمانينيات والتسعينيات مع برامج الإصلاح الهيكلي التي قادها «صندوق النقد الدولي» و«البنك الدولي» أضعفت بشكل كبير الاقتصادات العربية وأفرزت العديد من الحركات الاجتماعية (مصر في كانون الثاني/يناير 1977 تونس في كانون الثاني/يناير 1972 وكانون الثاني 1984) التي تحدّت الأنظمة السلطوية القائمة.

من ناحية أخرى وقّعت جميع دول المنطقة على نحو ثنائي ودون تعاون مع بعضها، اتفاقيات اقتصادية للتبادل الحرّ مع الاتحاد الأوروبي لا تخدم مصالح شعوبها. كان الحافز الأساسي للنخب العربيّة الحاكمة هو البحث عن شرعية سياسية دولية رغم خطر الخسارة اقتصادياً . كانت النتائج متوقعة: تعمّقت التفاوتات الاجتماعية والجهوية ارتفعت نسبة البطالة تدهورت الخدمات العمومية وتقلّص التوظيف في القطاع العام، ما أدى إلى تآكل ميثاق الأمن الاجتماعي الضمني الذي يربط الأنظمة السلطويّة بالشعوب المقيّدة سياسياً ولكن المحميّة نسبياً من الناحية الاقتصادية .

بمطالبتها بـ«إسقاط النظام» لم تتسبّب الثورات العربية فقط في انهيار العقد الاجتماعي القائم بين النخب بل فجّرت كذلك الميثاق الاستعماري الجديد بين الدول العربية وحلفائها الغربيّين. تجسّدت المطالبة بدولة من طرف الحركات الاجتماعيّة في أشكال اختلفت حسب البلدان: المطالبة بدولة علمانيّة في لبنان المطالبة بتوحيد حركة التحرّر الوطنيّ في فلسطين أو المطالبة بوظائف في القطاع العام بتونس. لذلك، رفع «الاتحاد العام التونسي للشغل» خلال الإضراب العام في الوظيفة العموميّة بتاريخ 17 كانون الثاني/يناير 2019 شعار «السيادة الوطنيّة قبل الزيادة في الرواتب» تعبيراً عن تنديد جذري بالإصلاحات المفروضة من قبل «صندوق النقد الدولي». ورغم الاختلافات الشكلية في الوضعيات بين البلدان العربية فإنّ الرسالة واحدة وواضحة: الخروج من التبعيّة السياسية والاقتصادية الأجنبية التي تحافظ عليها النخب المحلية الحاكمة.

والتطلّعات هي نفسها تقريباً في كلّ مكان: بناء دولة متخلّصة من تشوهاتها البنيوية تكون ـ بقطعها مع الإرث السلطوي والزبائني ـ قادرة على إعادة توزيع الثروات وضمان مطلب التحرّر السياسي والاقتصادي لشعوب المنطقة. ومع ذلك، فإنّ الطريق الوحيد الذي تقترحه المؤسسات الدولية المانحة لا يتغير وهو مزاوجة «تعزيز الديمقراطيّة» مع وصفات اقتصادية نيوليبراليّة. وهذه الحلول ليست جديدة إذ إنّها تتوافق مع السردية التي تبنّاها الرئيس الأميركي جورج بوش الابن خلال خطابه في 11 أيلول/سبتمبر 2002 (بمناسبة إحياء ذكرى هجمات 11 أيلول/سبتمبر 2001 وتشريع الحرب ضدّ العراق): «نحن نبحث عن سلام عادل الذي يعوّض وفقه القمع الاستياء الفقر بأمل الديمقراطيّة، السوق الحرّة والتجارة الحرّة». تستهدف هذه السردية أساساً استغلال الدعم الظاهريّ لـ«الديمقراطيّة» لتعميق اللبرلة الاقتصاديّة. وهو دعم لا يستثني كما هو واضح مساندة الغرب لأنظمة سلطويّة، خاصة في مصر.

رهان اللامركزية
في قلب هذا الهجوم النيوليبرالي الجديد، يأخذ دعم مشروع اللا مركزية والحكم المحلي أشكالاً عنيفة تختلف حسب البلدان، حيث يُفرض بجذرّيّة عبر الحرب في العراق وسوريا. في العراق مثلاً، وقع تطبيق إعادة ترتيب للفضاء السياسي والتراب الإقليمي في ظلّ مبدأ المحاصصة – نظام تقاسم على أساس الحصّص الإثنو ــــ طائفيّة . في تونس، تهدف اللامركزيّة المستندة في الخطاب السياسي على مكافحة التفاوت الاجتماعي والتنموي على إقامة تنافس مباشر بين الجماعات المحليّة لتقاسم الموارد . في الحالتين، تمثّل اللامركزيّة مشروعاً يطرح مسألة المجال والحكم المحلي في إطار مرحلة جديدة من تفكيك الدولة ولبرلة الاقتصاد.

يتزامن هذا التفكيك للدولة مع إعادة تفعيل الهويات الإثنو ـــ دينية وهجوم غير مسبوق ضد فكرة السيادة الوطنية نفسها، المنتهكة أكثر فأكثر بوصفها إحدى بقايا ماضٍ منتهٍ. في الآن نفسه فإنّ الصراعات الاجتماعيّة المتولّدة عن الثورات العربية والمتحدية لهيمنة الطبقة الحاكمة تتعرّض أكثر فأكثر للمنافسة من طرف حركات اجتماعية جديدة، لا تركز على حشد الأفراد حول مسألة إعادة تقسيم الثروات بقدر تركيزها حول مسائل الحريات الفرديّة على أساس ثقافة هوياتية، إثنية، دينية أو جنسية.

هذه الإصلاحات النيوليبراليّة والتركيز الهوياتي المرافق لها قد وقع تبنّيها من قبل في الدول الغربية لكنّها فُرضت على البلدان العربية من طرف المؤسسات الدولية والقوى الغربية الكبرى بعزيمة ثابتة . الهدف؟ تحييد الطابع السياسي للهويات الجماعية وفرض سيادة منطق السوق وذلك بجعل الفضاء العربي سوقاً حرّة للبضائع وللهويات. ولعلّ الشركات الكبرى المرتبطة بجهاز الدولة والعائلات الحاكمة في الخليج، المُدمجة في هذه الدوائر من الاقتصاد العالميّ قدر انقطاعها عن شعوبها لأحسن نموذج للبرنامج الموصى به لكامل المنطقة.

بلا شكّ أبطأ هذا الهجوم مسار بناء الدول العربية لكن يبدو أنّه لم يوقفه. إذا كان التاريخ يبرز أنّ هذه الإصلاحات النيوليبراليّة المختلفة تحتاج إلى العنف أو تواطؤ النخب الحاكمة لاختراق المجتمعات، فإنّه يثبت أيضاً أنّ الحلّ يجب أن يأتي قبل كلّ شيء عبر إعادة بناء الدولة على أساس السيادة الوطنية. بعيداً عن المقابلة الاختزاليّة السائدة في الغرب بين القوميّة الرجعيّة من جهة والعولمة ما بعد الحداثيّة من جهة ثانية فإنّ السيادة الوطنية بالشكل الذي طالبت به الثورات العربيّة تذكّر بحركات تقرير المصير والتحرر الوطنيّ التي سادت في دوائر اليسار بداية القرن العشرين. دون التعارض مع الصراع ضدّ العنصرية وكل أشكال التمييز فإن بناء نظام سياسي واقتصادي جديد قادر على تحقيق تطلّعات الشعوب للعدالة الاجتماعية، يتطلب إعادة تعريف الدولة الوطنية والتخلّص من الميثاق الاستعماري الجديد بين النخب المحليّة وحلفائها الغربيّين. لكن يواجه هذا المشروع تحديّاً مزدوجاً: أولاً، لا يمكن اختزاله فقط في تحقيق الرهانات السياسية والاجتماعية - الاقتصادية بل يتوجب تبنّي مقاربة اجتماعية - ثقافية تدمج التطلعات المحلية لـما يجب أن تكون عليه «حكومة عادلة»، وهو ما يعطي شرعية للمؤسسات ويجعلها مقبولة لدى الناس. ثانياً يجب مقاربة الدول الوطنية في المنطقة العربية بوصفها كيانات سياسية - اقتصادية مترابطة تتقاسم، علاوة على التاريخ والثقافة واللغة وحدة المصير السياسي والاقتصادي.

من مدوّنة «آفاق عربية» في «لو موند ديبلوماتيك» الفرنسية

هالة اليوسفي - باحثة وأستاذة الاقتصاد في جامعة دوفين ــ باريس

أضف تعليق

الرجاء عدم الخروج عن الموضوع في كتابة التعليق...

كود امني
تحديث

كتبوا

أدبيات حركة خلاص

يمضون

حوارات

 khlaas2016.7.8

14299768
زوار اليوم
هذا الأسبوع
هذا الشهر
38375
151913
641231

صفحتنا على الفيس بوك

كاريكاتير

أعلى الصفحة

إبحث