المرصاد نت

لم يحترمْ جاريد كوشنير تمامَ شهر رمضان المبارك للإعلان عن صفقة القرن عندما سرّبَ البند الأبرز في الصفقة، أيّ خُلوِّها من حل الدولتين، على هامش زيارته الأخيرة للمملكة المغربية. كنا Trumbbb2019.6.2نعرفُ من قبل بنداً أساسياً آخر في الصفقة، إعتراف واشنطن بالقدس عاصمة أبدية لإسرائيل. وكنا نَعرفُ أيضاً تَوجّه الإدارة الأميركية لتصفية القضية الفلسطينية عبر التخلّص من بنيتها التحتية أي قَطْع موازنة منظمة غوث اللاجئين "الأونروا" ومنح المساعدات الأممية المُخصّصة للفلسطينيين إلى الدول التي تستضيفهم. بذلك تصبح قضيتهم قضية لاجئين خاصة بكل دولة على حدة وليست قضية لاجئين ينتظرون العودة إلى منازلهم التي أُجْبِروا على مُغادرتها في فلسطين.

في السياق نفسه كنا نعرفُ أيضاً وأيضاً أن القانون الدولي الذي تستند إليه السلطة الفلسطينية في حركتها السياسية للوصول إلى حل الدولتين مُعَلّقٌ إلى حدٍ كبيرٍ على إرادة الولايات المتحدة الأميركية. لقد منحَ ترامب القدس لإسرائيل من دون أن يؤدّي ذلك إلى انتفاضة عالمية دفاعاً عن القانون الدولي، ووقّع عقد تمليك الجولان للدولة العبرية من دون أن يرمش له جَفنٌ مؤكّداً مرة أخرى أن القانون الدولي يكون حيث تريد واشنطن أن يكون وحيث تكون مصالحها ومصالح أنصارها وأن موازينه لا تُستمَد من العدالة وإنما من حسابات القوى على الأرض. والحق أن حال القانون الدولي كانت دائماً على هذا النحو بالنسبة للأطراف الأساسيين في العلاقات الدولية ولم يكن على غير هذه الصورة إلا عند الذين ضاقت بهم السُبُل لتشكيل قوةٍ مستقلةٍ في هذا العالم فاستعاضوا عنها بالتكيّف من موقع التابع مع موازين القوى الدولية ودرجوا على"النضال" من أجل حقوقهم بوسائل قانونية لا يحترمها مَن وضعها.

ما تبقّى من مسار صفقة القرن هو كيفية حل قضية اللاجئين الفلسطينيين داخل وخارج فلسطين التاريخية. لا نعرف بعد كل تفاصيل الحل وإن كانت بعض المؤشّرات كافية لرسم ملامحه وهي تنحصر على الأرجح بدمج الفلسطينيين في فلسطين التاريخية بما يتناسب مع السقف السياسي للصفقة أي لا سيادة فلسطينية سياسية في الضفة الغربية بل إدارة ذاتية اقتصادية واجتماعية تحت السقف السياسي الإسرائيلي. لا هوامش للمناورة لفلسطينيي العام 1948 الذين يجب أن يندمجوا في الجيش الإسرائيلي والمؤسّسة الأمنية وأن يدافعوا عن الدولة الإسرائيلية.

أما حل قضية اللاجئين الفلسطينيبن خارج إسرائيل فيمكن أن يكون مفتوحاً على مخارج عديدة منها منحهم الأولوية في الهجرات المُتاحة إلى الدول الغربية والإندماج فيها لقاء التخلّي عن صفة اللاجىء.

ومن غير المُستبعَد أن تُملي صفقة القرن شروطاً تربوية على الدول العربية المُنخرطة في الصفقة وبالتالي الترويج لسردية مختلفة عن تلك التي أحاطتْ بظهور القضية الفلسطينية بوصفها قضية شعب اغتُصِبتْ أرضه ويمتلك الحق التاريخي والدولي من أجل استعادتها فتصبح قضية صراع يهودي عربي اشترك الطرفان فيه بأعمال قتلٍ وتهديدٍ واقتلاع. وهذا ما باشرت به فضائية عربية عندما بثّت وثائقياً يزعم أن الفلسطينيين ارتكبوا مجازر بحق اليهود ومن غير المُستبعَد أن تروِّج الفضائية نفسها لفكرة "الترحيل السكاني المتبادل" أي أن الإسرائيليين اقتلعوا الفلسطينيين من أراضيهم وأن العرب اقتلعوا اليهود من بلدانهم وبالتالي لا توجد قضية اقتلاع واحدة محصورة بالفلسطينيين.

ويرجّح أن تنتشر هذه السردية على خطٍ موازٍ للتطبيع الخليجي الصهيوني وبذلك تنتقل قضية اللاجئين الفلسطينيين من قضية عادلة توثّقت عدالتها في أوراق الأمم المتحدة إلى قضية نزاع بين اليهود والعرب تضرّر منها الطرفان.

قد يبدو هذا السيناريو خيالياً، منظور إليه من خلال المُعطيات الراهنة إلا أنه لن يتأخّر في الدخول إلى حيِّز التطبيق عندما تُعرَض كل عناصر الصفقة وقد يصبح محل نقاش وجدل لضرب ثوابت القضية الفلسطينية في معرض تحويلها من قضية تحظى بإجماع عربي ودولي إلى قضية تحتمل الطعن والجدل.

إن كل المؤشّرات المتوافرة حتى الآن عن مسار صفقة القرن تصبّ في اتجاهٍ واحدٍ هو نقل القضية الفلسطينية من قضية حق عربي ودولي غير قابل للطعن إلى قضية خلاف بين العرب الذي يريدون طيّ صفحتها والاعتراف بوجود إسرائيل والتعاطي معها كدولةٍ قابلةٍ للاندماج في محيطها بل مرشّحة لقيادة جزءٍ مهمٍ من هذا المحيط والعرب الذي لا يريدون التنازل قَيْد أنملة عن هذا الحق ويراهنون دائماً على انتزاعه بوسائل مختلفة.

ما من شك في أن تزامُن التصعيد الأميركي ضد الجمهورية الإسلامية الإيرانية مع عرض صفقة القرن ليس عفوياً. فقد بدأ هذا التزامُن مع الخروج الأميركي من الإتفاق النووي الإيراني وفرض العقوبات الاقتصادية على إيران ومُحاصَرة سوريا وحزب الله وإشعال حرب اليمن وتجميد الحل السياسي في سوريا ناهيك عن إطلاق الموجة الثانية من ربيع الزفت العربي. ولعلّ اختيار البحرين للبحث في الحل الاقتصادي للقضية الفلسطينية وإطلاق صفقة القرن رسمياً، يُراد منه الإشارة إلى أن الصفقة محميّة من الأسطول الخامس في البحرين وستكون تطبيقاتها محميّة من الأسطول السادس وباقي الترسانة العسكرية الأميركية إذا ما استدعت الضرورة. الواضح أن صهر الرئيس الأميركي لا يتمتّع بعقلٍ سياسي أفضل من عمّه.

فقد تمكّن بعرضٍ واحدٍ من إحراج حلفاء واشنطن وعزلهم في محيطهم والتقريب بين الأردن وحماس وبين السلطة الفلسطينية وقطاع غزّة وبين سوريا وحماس وأشاع قلقاً حول مصير النظام الأردني. بكلامٍ آخر إن بعض الدول والأطراف المُرشّحة لتطبيق صفقة القرن لا تريد أصلاً نقاش هذه الصفقة ولا تكفي الدوافع الاقتصادية لحملها على الخضوع لإملاءات صهيونية لطالما بَنَتْ مصيرها السياسي على التصدّي لها.

لا أدري إن كان الأمر يستحق إعلاناً رسمياً لصفقة يصعب تسويقها بواسطة الأساطيل الحربية. إن الطرف الأول المعني بها أي الشعب الفلسطيني لا يريدها ويعلن عن رغبته بمقاومتها بكل السُبُل والوسائل. عندما يُجمِع الفلسطينيون المرشّحون بحسب الصفقة للاندماج في محيطهم، عندما يُجمعون على رفضها، مُحذّرين في الآن معاً الدول العربية التي تتبنّاها من سوء العاقبة، فإن هذا الإجماع من شأنه ليس فقط أن يُطيح الصفقة بل قد ينقل القضية الفلسطينية بكل أطرافها إلى المحور السوري ـــــ اللبناني ـــــ الإيراني.

لا مُبالغة في القول إن ما سيُعلَن عنه في المنامة إن التأمت القمّة هو صفقة معطوبة من غير المُستبعَد أن تصبح عبئاً ثقيلاً على الضيف والمُضيف معاً. الأمر الذي عبَّرت عنه صحيفة " لوموند" الفرنسية في تعليقٍ ساخِرٍ بالقول: لقد فشلت الصفقة وما ننتظره هو الإعلان عن المسؤول عن فشلها.

"صفقة القرن" إستراتيجية الشرّ الأميركي
منذ وصول الرئيس دونالد ترامب إلى البيت الأبيض حاول أن يُثبت تمايزاً وتفوّقاً على مَن سبقوه بطريقة إدارة الملفات والصراعات التي تخوضها بلاده بغرض تكريس الهيمنة الأميركية وفرض أجنداتها على العالم لكنه فشل في تقديم وجهٍ مُغاير للولايات المتحدة الأميركية وأكّد استمرار سياساتها التي عملت لها لعقودٍ طويلة ولم يستطع أن يُقنع أحداً بتقديم نفسه منقذاً لبلاده فقد تبُث أنه نموذج جديد للسياسات اللاأخلاقية الساعية دائماً وأبداً لتحقيق ذات الغايات الأميركية الرامية إلى توسيع رقعة الهيمنة على العالم ولضمان أمن الكيان الإسرائيلي الغاصِب في الشرق الأوسط  وبذلك تحوّل شعاره من "أميركا أولاً" إلى "إسرائيل أولاً" بحسب الوزير محمّد جواد ظريف عبر السعي لتصفية القضية الفلسطينينة من بوابة "صفقة القرن" وإخضاع الشرق الأوسط وإدخاله في العصر الإسرائيلي.

وعلى الرغم من القرارات الأممية والحقائق التاريخية وتحذيرات العقلاء لكنه أبدى تعنّتاً وإصراراً على تنفيذ نقل السفارة الأميركية إلى مدينة القدس وإعلانها عاصمة لـ"إسرائيل وبتوقيعه قرار ضمّ الجولان السوري المحتل إلى السيادة الإسرائيلية ولم يتوقف عن تشديد الخِناق على المقاومة الفلسطينية واللبنانية وعلى الدولة السورية وسعيه لإطالة أمَد الحرب عليها ومن جهةٍ أخرى بسعيه لرفع مستوى الحصار والتصعيد والتهديد العسكري للدولة الإيرانية من بوابة إنسحابه من الإتفاق النووي الإيراني وبدء تطبيق العقوبات الأميركية عليها وهي بمجملها أمورٌ تهدف إلى مُحاصرة وإرباك محور المقاومة مجتمعاً بغية تمرير مخطّطاته وخصوصاً تلك المتعلّقة ب"صفقة القرن".

وعلى الرغم من نجاحه في إعادة خلط الأوراق ورفع منسوب التوتّر السياسي والتهديد العسكري والإقتصادي في المنطقة والعالم إلاّ أنه لم ينجح بحشد غالبية الدول للوقوف وراء سياسته الخارجية واكتفى - حتى اللحظة - بدعم وتأييد سلطة الكيان الغاصِب وبعض الدول العربية والخليجية وفشل في تعبيد الطريق لمرور صفقة القرن وفي دفع الفلسطينيين للقبول بها على الرغم من الضغوط السياسية والإقتصادية الهائلة.

من الواضح أن الإسترتيجية التي يتحرّك وفقها الرئيس الأميركي تهدف إلى ضمان المصالح الإسرائيلية في الداخل الفلسطيني وفي محيط الكيان الغاصِب، وأنها تتم وفق رؤية وأجندات اليمين الإسرائيلي الذي يُصرّ على ضمّ كافة مستوطنات الضفة الغربية واحتفاظه بصلاحيات الأمن والسيطرة على الحدود وبذلك لم يعد بالإمكان توقّع شكل الدولة الفلسطينية المُحتَمل.

ومن المتوقّع أن يأتي الرفض الفلسطيني لصفقة القرن فور الإعلان عنها، وسط مخاوف من استغلال رئيس وزراء الكيان وحكومته المتطرّفة الرفض ويعتبره ذريعة وفرصة لفرض السيطرة والسيادة الإسرائيلية على كامل المستوطنات في الضفة الغربية، ووسط مخاوف جدية لمباركة هذا الضمّ وإعتراف الرئيس ترامب به على غرار إعترافه بالسيادة الإسرائيلية على الجولان السوري المحتل فقد سبق للرئيس ترامب أن اعتبر: "إن مصير القدس لم يعد مادة للتفاوض بين إسرائيل والفلسطينيين" بما يساهم بزيادة تعقيد الملف المُعقّد أصلاً .

ومن الملاحظ أن إدارة الرئيس ترامب لم تكتفِ بنقل السفارة إلى القدس، بل إنها عمدت إلى ممارسة ضغوطها على عديد الدول التي تدور في فلكها وتخشى غضبها، في وقتٍ لم تفلح فيه الإتصالات الإسرائيلية المُكثّفة بالحكومات اليمينة وغيرها حول العالم في إقناعها بإرتكاب هذه الجريمة السافِرة التي تتجاوز القانون الدولي والقرارات الأممية التي تعترف بأراضي القدس الشرقية على أنها أراضٍ فلسطينية.

وعلى الرغم من اندفاعة قوى اليمين الإسرائيلي إلاّ أن الكثير من الإسرائيليين يتخوّفون من التكلفة الكبيرة المتوقّعة ويُحذّرون من التداعيات السلبية للإستراتيجية الأميركية، التي ستؤدّي إلى إشعال النيران والمواجهات العسكرية مع فصائل المقاومة على كامل الأراضي الفلسطينية فلا يمكن النظر إلى صفقة القرن سوى من خلال كونها تشكّل مذبحاً جديداً يُحضَّر لسفك المزيد من الدماء الفلسطينية، ويُطيح بكل التضحيات التي قدّمتها الشعوب العربية عبر عقود الإحتلال البغيض بالإضافة إلى جهود داعمي القضية الفلسطينية في الإقليم وحول العالم، ولكن الأمل يبقى مُعلّقاً على محور المقاومة وعلى شرفاء العالم في التصدي لهذه الصفقة الشيطانية، ولن يكون مسموحاً لأحد في هذا العالم أن يُنهي قضية الشعب الفلسطيني وحقوقه التاريخة الموثّقة في أرض النور وعلى ترابها المقدّس.

قراءة : فيصل جلول - ميشال كلاغاصي .

أضف تعليق

الرجاء عدم الخروج عن الموضوع في كتابة التعليق...

كود امني
تحديث

كتبوا

أدبيات حركة خلاص

يمضون

حوارات

 khlaas2016.7.8

15357488
زوار اليوم
هذا الأسبوع
هذا الشهر
18966
102238
417949

صفحتنا على الفيس بوك

كاريكاتير

أعلى الصفحة