المرصاد نت

في موقفٍ نادرٍ تسنّى لجمهور نشرات الأخبار حول العالم أن يرى رئيس الولايات المتحدة مُتلعثِماً مُرتبِكاً وهو يتلقّى أسئلة الصحافيين حول الرد الأميركي على سلسلة الاستفزازات للمصالح Harmaz2019.6.38الأميركية في منطقة الخليج والتي بدأت بحوادث تفجير ناقلات النفط السعودية والإماراتية الغامِضة ثم توّجت بإسقاط أحدث طائرة مُسيَّرة أميركية فبينما عاشت إيران أجواء أقرب إلى الاحتفال وفي وقتٍ كان الحرس الثوري الإيراني ينشر فيه مقطع فيديو يُظهِر تفاصيل العملية بما في ذلك مسار الطائرة الأميركية منذ إقلاعها من القاعدة في الإمارات إلى أن اصطادها الصاروخ الإيراني بدا دونالد ترامب مُثيراً للشفقة وهو يحاول أن يختلق المُبرِّرات لخصومه الإيرانيين (قد تكون إيران أسقطت الطائرة بطريق الخطأ أو أن شخصاً فَقَدَ صوابه قد فعلها) هكذا مهّد ترامب لقراره عدم الردّ على التحدّي الإيراني.

لكن المُفارقة الأكبر تكمُن في أن دونالد ترامب لم يوفّر مناسبةً سواء خلال حملته الانتخابية أو بعد دخوله البيت الأبيض، لم يتّهم فيها سلفه أوباما بأنه وضع بلاده في منزلة الضعف عندما وقَّع على الاتفاق النووي مع إيران، مُتعهّداً بالانسحاب منه إذا ما وصل إلى البيت الأبيض، غير آبهٍ بأنه اكتسب الصفة القانونية المُلزِمة كاتفاق دولي مُصدَّق من قِبَل الأمم المتحدة وهو ما نفّذه ترامب فعلاً بُعيد دخوله البيت الأبيض محاولاً خنق إيران بالعقوبات الاقتصادية ودفعها للتفاوض تحت الضغط، وذلك بهدف إعادة إنتاج اتفاق جديد يتضمّن إلزام الإيرانيين بوقف دعمهم لحلفائهم في اليمن وفلسطين وسوريا ولبنان والعراق وبتقييد برنامجهم البالستي.

لقد كان قرار ترامب بالانسحاب من الاتفاق النووي على الرغم من معارضة شركائه الأوروبيين مُتّسقاً مع ما وعد به ناخبيه من أنه سيصل إلى مدى لم يبلغه سابقوه من الرؤساء الأميركيين، في سبيل تحقيق شعار حملته الانتخابية (اجعل أميركا عظيمة مُجدّداً) من دون إقامة أدنى اعتبار لأيّ قيد قانوني أو دبلوماسي أو قِيَمي يُقيّد ذلك باستثناء التورّط في حربٍ أخرى من نمط الحروب التي خاضت غمارها إدارة جورج بوش الإبن، واستمرت آثارها الكارثية تُلقي بظلالها على الاقتصاد الأميركي إلى اليوم.

والواقع أن الرجل نجح في رهانه الجامِح ذاك مع إمارات ومشيخات الخليج فصار يتباهى في خطاباته بما يبتزّه منها من مئات المليارات عند كل اتصال هاتفي لكن رِهان ترامب في مواجهة كوريا الشمالية مثلاً والتي هدَّدها في الأيام الأولى لدخوله البيت الأبيض بأنها ستُمحى من على الخارطة إن لم تتخلّ عن برنامجها النووي، لم يثمر أكثر من لقاء شكلي على مستوى القمّة مع الرئيس الكوري الشمالي من دون النجاح في التوصّل لأيّ اتفاق حول المُنشآت النووية أو البرنامج الصاروخي الكوري.

أما في ما يتعلق بالملف الإيراني فكانت خطة ترامب تقضي باستخدام كل أساليب الضغط المُتاحة من دون الوصول إلى الحرب، وهو خيار يعرف أن إيران لن تبادر إليه، ما دام مُدمِّراً لمصالح الطرفين لذلك يمكن بالاستناد للهيمنة الأميركية شبه المُطلقة على النظام الاقتصادي العالمي إلحاق أضرار كبيرة بمعيشة الإيرانيين، الذين تفاءلوا بالانفراج الاقتصادي القادم مع الاتفاق النووي فاستثمروا في قطاعات كمالية لم تكن من أولوياتهم في مرحلة العقوبات ما قبل الاتفاق وهي استثمارات مُهدَّدة بالضياع مع عودة العقوبات.

وراهنَ الأميركيون على أن أسوأ ما يمكن أن يحدث إذا لم تخضع إيران لمطلب التفاوض من موقع الضعف الذي وضعها فيه الانسحاب من الاتفاق، هو أن تعود لما كانت عليه قبل الاتفاق، وأن تدخل بالتالي في طورٍ من التقشّف، ما سيؤثّر بالتأكيد على حجم دعمها لحلفائها في المنطقة.

لكن هناك في طهران مَن اختار أن يقلب الطاولة على الأميركيين من خلال عدم الاكتفاء بما يسمّونه في طهران بالـ (الصبر الاستراتيجي) بل الانتقال إلى (الإحراج الاستراتيجي) لترامب وإدارته، عبر ابتداع نمط من الحروب البيضاء التي لا تسيل فيها الدماء ودشّن هذه المرحلة رئيس الأركان الإيراني محمّد باقري في 28-4-2019 من خلال إعلانه أنه (إذا لم تكن إيران قادرة على بيع نفطها عبر هرمز فلن يكون أحد قادراً على ذلك).

بدأت بعدها مرحلة التفجيرات الغامِضة للناقلات التي تحمل نفطاً سعودياً وإماراتياً ثم تلا ذلك الانتقال لاستهداف الطائرات المُسيَّرة الأميركية التي اعتادت أن تتجوّل بحريةٍ فوق مياه الخليج وهو ما نتوقّع أن يتكرّر طالما استمرت العقوبات الأميركية فعند كل عملية استهداف جديدة يرتفع سعر برميل النفط إذ ما عاد بمقدور الولايات المتحدة أن تقنع المستثمرين حول العالم بقدرتها على حماية تدفّقات النفط الخليجي الذي يشكّل أكثر من 40% من النفط المُستهلَك حول العالم، ولا شك أن الارتفاع المطرد في الأسعار سيضع ترامب في موقف صعب أمام ناخبيه وهو الذي يخوض معركة كَسْر عظام لتجديد ولايته الرئاسية وهو المُهدَّد أصلاً من قِبَل خصومه الديمقراطيين بالمُلاحقات القضائية والسجن.

وبينما كان حلفاء الولايات المتحدة يتحمّسون لحربٍ أميركية تدمّر إيران ثم دخلوا في طور من الإحباط بعد ابتلاع الأميركيين لحادثة إسقاط طائرتهم يبدو أن تآكل هيبة واشنطن سيُمهّد لانهياراتٍ أكبر في معسكر حلفائها فهي ستخلق البيئة الاستراتيجية المُلائمة لانتقال اليمن التي تقاتل الحلف السعودي - الإماراتي منذ خمس سنوات من مرحلة امتصاص الضربات والاكتفاء بالرد عليها تكتيكياً عبر استهداف المطارات ومنشآت النفط إلى مرحلة الهجوم المُضاد على العُمق السعودي براً وجواً وهو ما بدأت بوادره تظهر من خلال قصف محطات الكهرباء وتحلية المياه التي تشكّل عَصَب الحياة بالنسبة لمدن الملح الخليجية.

كتب : فارس الجيرودي - صحفي وكاتب سوري

أضف تعليق

الرجاء عدم الخروج عن الموضوع في كتابة التعليق...

كود امني
تحديث

كتبوا

أدبيات حركة خلاص

يمضون

حوارات

 khlaas2016.7.8

15899829
زوار اليوم
هذا الأسبوع
هذا الشهر
6838
66646
322417

صفحتنا على الفيس بوك

كاريكاتير

أعلى الصفحة