المرصاد نت

جاء الحديث عن انسحاب الإمارات من الحرب اليمنية ليؤكّد ما كان يتمّ تداوله وراء الكواليس حول تبايُن الاستراتيجيات بين السعودية والإمارات في مُقاربة ملفات المنطقة. "أبو ظبي تعمل على Rdgsfsfsfsالانتقال من استراتيجيةٍ عسكريةٍ إلى خطةٍ تقوم على تحقيق السلام أوّلا" هكذا برّر مسؤول إماراتي كبير لوكالة الأنباء الفرنسية سَحْب القوات الإماراتية من اليمن ضمن ما سمّاها "خطة إعادة انتشار لأسبابٍ استراتيجيةٍ وتكتيكيةٍ".

لم يكن التصريح كافياً لوضع حدٍّ للتكهّنات حول الخلفيات الحقيقية لهذا الإجراء وما إذا تم اتخاذه على عَجَل نظراً للتطوّرات الميدانية في اليمن أم أنه تنفيذ لقرار اعتُمِد مسبقاً بناء على دراسات مُعمَّقة تنسجم مع الرؤية التي تتبنّاها أبو ظبي حول مصالحها في الإقليم!

أدركت أبو ظبي مؤخّراً أن الولايات المتحدة غير جادّة بالمطلق بمواجهةٍ عسكريةٍ مباشرةٍ مع إيران، وأنها تراهِن على نجاح السيناريو الذي اعتمدته مُسبقاً مع الاتحاد السوفياتي ، حيث أدّى حصاره وعزلته اقتصادياً إلى انهياره من الداخل من دون إطلاق خرطوشة واحدة. فقد دفعت الولايات المتحدة العلاقة مع الاتحاد السوفياتي إلى حافّة الهاوية من دون الوقوع فيها. فالتوتّر الذي استمر سنوات طويلة كاد يُشعِل فتيل الحرب أكثر من مرة. وكانت واشنطن تحجم في كل مرة عن خوض مواجهة مسلّحة. وقد ساعدتها تلك الاستراتيجية في تسريع انهيار الاتحاد السوفياتي الذي كان يعاني مشاكل داخلية.

تأمل واشنطن بنجاح المخطّط ذاته مع إيران. فلا حاجة إلى حربٍ مباشرة، ولا ضرورة لسلامٍ شاملٍ معها. وإنمّا الاندفاع بالتوتّر إلى أقصاه مع لجْم أيّة إمكانية لتدهور الأوضاع عسكرياً إلى أن تنفجر إيران من الداخل بفعل الحصار والعزلة.

القناعة الإماراتية بعدم جدّية الولايات المتحدة بمواجهةٍ شاملةٍ مع إيران، يحملها على استبدال دورها في اللعب إقليمياً بما يحقّق لها الفوز بأقل الخسائر الممكنة. وهي مُهتمّة حالياً باجتراح سيناريوهات جديدة للحرب المستمرة في اليمن من خلال إفساح المجال أمام حوار سياسي.

لا يُستبعَد أن يكون الانسحاب الإماراتي جاء بُعيْد تنسيق مع الرياض في إطار تبادُل الأدوار بين الجانبين بعد أن وصلا في حربهما على اليمن إلى حائطٍ مسدود. إلا أننا نتوقّع أن الانسحاب يُضعِف الموقف السعودي ويُربكه أكثر مما يساعده على الخروج من الوَحل اليمني. والتقدير المرجَّح أن قرار أبو ظبي يعكس حجم التبايُن والاختلافات القائمة بين البلدين خاصة لجهة العلاقة مع دول الإقليم والمكانة التي تسعى كل دولة إلى احتلالها عالمياً.

وإذا كانت السعودية مُهتمّة بالمحافظة على مكانتها الإقليمية والدولية التي كسبتها بعد تراجُع الدور المصري منذ الثمانينات، فإن الإمارات تحاول خلق مكانة إقليمية ودولية لها أكبر بكثير من تلك التي كانت تحتلّها أيام الأمير زايد. هذا الطموح المستجدّ للإمارات ما كان له أن ينشأ لولا التراجُع السعودي حيث تسعى الإمارات إلى وراثة المكانة الضائِعة.

من المفيد للإمارات أن تستنزف الرياض كامل قوّتها وطاقتها في اليمن، لأن إضعاف محمّد بن سلمان في هذه الحرب سيُقلِّص من قوّة السعودية إقليمياً ودولياً. وهو أمر قد يفيد الإمارات التي تطمح للعب دورٍ أبعد من حجمها وموقعها الجغرافي، وخاصة إذا ما كانت إلى جوارها دولة ضخمة الحجم والإمكانات والطاقات البشرية مثل السعودية.

أضحى الصراع في اليمن حرباً عبثيّة لا يمكن لها أن تنتهي بانتصارٍ ماحِقٍ للتحالف السعودي الإماراتي. والحوثيون تملّكوا زمِام المبادرة بعد أربع سنوات من محاولة حماية جبهتهم الداخلية.لا يقدر الاقتصاد الإماراتي على الصمود أمام التهديدات الأمنية الخطيرة التي قد تُلحقها الصواريخ والطائرات المسيَّرة الحوثية لمرافقها الحيوية.

وقاعدة الحوثيين الاجتماعية والسياسية والأمنية هي في شمال اليمن حيث سيشكّلون صُداعاً دائماً للسعودية أكثر منه للإمارات. كما أنهم جماعة مناسبة لتقليص الوجود الإخواني في اليمن نظراً لاختلاف الأيديولوجيات. والخطر المتوقّع من بقاء الحوثيين والتعامُل معهم سياسياً سيبقى أقل تكلفة على مصالح الإمارات من تكلفة المواجهة المفتوحة والشاملة.

وعوضاً عن السعي وراء تحقيق الانتصار، يمكن التوجّه نحو مُقارباتٍ مختلفة. تشجيع انفصال الجنوب، والاعتماد على ميلشيات أنشأتها الإمارات كفيل بالحفاظ على النفوذ الإماراتي في البلاد. فالانفصال هو أفضل سيناريو تطمح إليه الإمارات. ولا شيء قد يعزّز الانفصال أكثر من سيناريو إطالة أمَد الحرب وتشتيت القوى المتناحِرة وتشظيتها، حيث تُستنزف جميع القوى بما فيها السعودية وقوات الرئيس هادي والحوثيين.

الإشكال الأبرز الذي قد يواجه الإمارات بعد انسحابها هو التعامُل مع القاعدة وداعش في المناطق اليمنية الجنوبية. وعلى الأرجح هي قادِرة على التكفّل به واحتوائه من دون أن يتطلّب الأمر وجودها العسكري على الأرض. فيكفي توجيه الميلشيات المحلية، مع تقديم المؤازرة والمساندة الجوية وتوفير المعلومات اللازمة عبر التجسّس الذي تُتقنه جيّداً.

وهكذا تنفّذ أبو ظبي انسحاباً يُريحها من الانتقادات الدولية المتنامية للتحالف السعودي الإماراتي حول حقوق الإنسان ويوقِف مستوى انحدار الصورة التي راحت الإمارات ترسمها عن نفسها دولياً باعتبارها واحة للسلام والرفاهية والسعادة في المنطقة.

قراءة : محمد علوش - معد ومقدم برامج سياسية في قناة الميادين.

أضف تعليق

الرجاء عدم الخروج عن الموضوع في كتابة التعليق...

كود امني
تحديث

كتبوا

أدبيات حركة خلاص

يمضون

حوارات

 khlaas2016.7.8

15899900
زوار اليوم
هذا الأسبوع
هذا الشهر
6909
66717
322488

صفحتنا على الفيس بوك

كاريكاتير

أعلى الصفحة