تسجيل الدخول تسجيل

تسجيل الدخول

        khlaas2016.7.8

المرصاد نت

يقال: العيد مأخوذ من فعل "عاد" ويعود ومصدره "عودة" وسُمي كذلك لكثرة عودته مرّة تلوى الأخرى إذا كان لهذا المعنى يميل اللغويون فإنّ للعيد عند فلاسفة الإسلام معاني أعمقEid mobark2017.8.31من قاعِ ما تحمله اللغة وشاطئاً أبعد من أن تبصره ظاهر العين.

بعودة العيد يكون الزمان قد دار دورته، وأكمل الإنسان حَولا كاملاً من عمره، فأحصيت أعماله. فما كان منها صالحاً بقي كشجرة أصلها ثابت وفرعها في السماء تؤتى أُكلها كلّ حين بإذن ربها، وما كان رديئاً فهو كسراب بقيعة يحسبه الظمئان ماءً حتى إذا جاءه لم يجده شيئا ووجد الله عنده فوفّاه حسابه. فإن الأعمال بالنّيات، والنّيات بخواتميها، كما يقال.

وعيدنا هذا مصحوب بمناسك الحجّ. والحجّ لغة المحاججة. وفي فلسفة الإسلام هو أبلغ من محاججة الإنسان لنفسه يوم الدينونة أمام الخلائق. هو سعي وحفد نحو الله الواحد الأحد، اقتداءً بسُنّة النبيّ إبراهيم الخليل -عليه السلام- الذي رفع القواعد من البيت، فكانت كعبة يحجّ اليها الناس من كلّ عام، وتمثلاً بقوله إلى قومه يوم أراد اصلاحهم، وضاقت عليه الأرض بما رحبت: ﴿إِنِّي ذَاهِبٌ إِلَى رَبِّي سَيَهْدِينِ﴾. (الصافات:99). بل هو تلبية لأمر الله نبيه إبراهيم قبل عدة آلاف من السنين. ﴿وَأَذِّن فِي النَّاسِ بِالْحَجِّ يَأْتُوكَ رِجَالًا وَعَلَىٰ كُلِّ ضَامِرٍ يَأْتِينَ مِن كُلِّ فَجٍّ عَمِيقٍ﴾. (الحج:27).

هو دعوة لتعظيم أمّنا "هاجر" - عليها السلام- التي لم تكلّ ولم تملّ ولم تيأس ولم تحبط وهي تسعى بين الصفا والمروة تبحث عن ماء لولدها الرضيع، متمسكة بقولها لزوجها النبي إبراهيم -عليه السلام- حين تركها في بواد غير ذي زرع: "إن كان الله أمرك بتركي وولدك في هذا الواد، فإنه لن يضيعنا" قبل أن يمضي إبراهيم ويختفي أثره، وتجد هاجر نفسها وولدها وحيدة وخالية من أيّ حيلة سوى حلية الإيمان براعِ لا ينسى أحد ولا يظلم لديه أحد هو الله الواحد الأحد.

فمن حجّ فلم يرفث ولم يفسق رجع كيوم ولدته امّه طاهر من كل خطئية.  وهكذا بحلول العيد يكتمل العمل الصالح، وتصل الصُنعة لكمال صفاتها، ويعود الإنسان إنساناً كما خلقه ربه أول مرّة، مُبرّءٌ من كلّ عيب، ومن كلّ نقيصة خُلقِية.

وهو يوم فرح وسرور وتفاؤل وصفاء. فقال تعالى في حقّه: ﴿يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلَا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ وَلِتُكْمِلُوا الْعِدَّةَ وَلِتُكَبِّرُوا اللَّهَ عَلَىٰ مَا هَدَاكُمْ وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ﴾. (البقرة: 185). وهو كما توضح الآية الكريمة، مصحوب باليُسر وليس بالعُسر، واكمال العدّة فيه أي إتمام ما ينبغي إتمامه، وبلوغ الشيء كماله. وهو مصحوب بالشكر والنعمة للمولى، وترجمته التكبير أي القول "الله أكبر.. الله أكبر". فالله الخالق أكبر من كل كبير، فحقّ الله هنا مقدم على حظّ الذات والنفس وغرائزها وشهواتها. فالله أكبر من كل ظالم. فهو الحاكم المطلق الذي لا رادّ لحكمه وقضائه. فعنده تلتقي الجموع وعنده ينشر الحساب وينال كل امرئ جزاءه. إن أحسن فله الحُسنى، وإن أساء فعليه من العقاب ما يوازي وزره، إن لم تناله شفاعة أو تغمره رحمة.

العيد هو عودة لإنسانيتك أيها الانسان، هو عودة لتلك الإنسانية التي ما ملّ القرآن من الدعوة إليها، والحثّ على تمثُّلها. عندها ترفق بالكبير، وترحم الصغير، وتصل الرحم، وتصون لسانك عن فحش الكلام والتحريض على الأمة، وتكفّ عن السعي بين الناس بالخصومة والفجور. فقد ورد في الأثر "إذا رجع العبد إلى الله نادى منادٍ في السماوات والأرض أن هنئوا فقد اصطلح مع الله". وفي الأثر حوار يدور بين الله وعبده. فينادي الله عبده: "يا ابن آدم اطلبني تجدني، فإذا وجدتني وجدت كل شيء، وإن فِتك فاتك كل شيء، وأنا أحب إليك من كل شيء". وهو قول يجسّد الآيات التالية: ﴿إنَّ الَّذِينَ آَمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ سَيَجْعَلُ لَهُمُ الرَّحْمَنُ وُدّاً﴾. (سورة مريم:96). ﴿وَقُلِ الْحَقُّ مِنْ رَبِّكُمْ﴾ (الكهف: 29)، ﴿لا إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ قَدْ تَبَيَّنَ الرُّشْدُ مِنَ الْغَيِّ﴾ (البقرة: 256).

نأمل ألا يمضي العيد إلاّ وقد اندحر التطرف والظلم، وعاد الإسلام لأهله بعد طول اختطاف. وعاد الدين لمعانيه السامية الخالدة.

جعل الله كلّ أيامكم عيداً.

كتب : محمد علّوش - معد ومقدم برامج سياسية في قناة الميادين.

أضف تعليق

الرجاء عدم الخروج عن الموضوع في كتابة التعليق...

كود امني
تحديث

كتبوا

أدبيات حركة خلاص

يمضون

حوارات

 khlaas2016.7.8

صفحتنا على الفيس بوك

كاريكاتير

أعلى الصفحة

إبحث