تسجيل الدخول

تسجيل الدخول

        khlaas2016.7.8

المرصاد نت - متابعات

ثماني سنوات مرّت على انطلاق انتفاضة 14 فبراير في البحرين. ثماني سنوات طوّر خلالها النظام أشكالاً متعددة من القمع والترهيب، مستعيناً في ذلك بالخبرات الإسرائيلية الواسعة Albahrin2019.2.14في هذا المجال. يصحّ توصيف الجزيرة الصغيرة راهناً بأنها أشبه ما تكون بسجن كبير يضيق بنزلائه يوماً بعد يوم. حتى المتنفّس الوحيد الذي بقي للبحرينيين خلال الأعوام الأخيرة عمد النظام إلى سدّه بحلّه الجمعيات السياسية المعارضة وإغلاقه الباب على نشوء أي تنظيمات يمكن أن تشكّل تهديداً له.

هكذا أُعدمت الحياة السياسية وخُنق المجتمع المدني في وقت كانت فيه المعتقلات تغصّ بالنشطاء والمواطنين الذين باتت عمليات التعذيب الممارَسة بحقهم «فنّاً» بذاته تمتاز به سلطات المنامة. كل ذلك مترافقاً مع مساعٍ محمومة لتبييض صفحة النظام وتشويه صورة المعارضة أرادت من ورائه أسرة آل خليفة القضاء على أي جذوة يمكن أن تعيد إشعال الهبة الشعبية التي تعرّضت لعملية تهشيم ممنهجة.

لكن ما لم يتنبّه إليه «كناري» السعودية كما يسمّيه الإسرائيليون أن تلك السياسات لن تفلح إلا في إعادة إنتاج الأزمة في وقت تشتدّ فيه حاجة المملكة إلى حلول تخرجها من الشرنقة التي ترزح فيها منذ أعوام

«السجن الكبير» يضيق بنزلائه

مع دخول الأزمة السياسية في البحرين عامها التاسع لم يعد المشهد الحقوقي في البلاد يشبه ما كان عليه منذ سنوات. لقد تغيّر كل شيء على نحو دراماتيكي. صحيح أن الانتهاكات لم توفر أحداً إلا أن المائز فيها هو قدرة السلطات على ابتكار أشكال جديدة من القمع السياسي خصّصت لها عدة روافع بغرض قلب الحقائق ومنها الرافعة الإعلامية المتمثلة في الإعلام الحكومي والإعلام الخليجي والجيوش الإلكترونية وجميعها متورط في خطاب الكراهية.

أما الرافعة المدنية فتمثلها منظمات «غونغوز»، وهي مؤسسات غير حكومية تابعة للسلطة، مهمتها الأساسية مناكفة المنظمات الحقوقية المستقلة. ثم تأتي الرافعة القضائية، متمثلة في سلطة قضائية غير مستقلة تلاحق الضحايا وتحمي الجناة، وتعتمد على التفسير التعسفي للتشريعات والشهود السرّيين (الأشباح) في القضايا السياسية. وأخيراً الرافعة السياسية، وهي وزارة الخارجية البحرينية، واللجان البرلمانية المُزوّدة بتقارير كاذبة حول الأوضاع المحلية.

يحلّ الـ14 من شباط/ فبراير 2019 والبحرين واجهتها كالآتي: أحزاب معارضة رئيسية جرى حلّها، لا مجال لممارسة العمل السياسي المعارض أو الحقوقي المستقل في الداخل، ارتفاع تعداد المحكومين بالإعدام وإسقاط الجنسية الحظر الشامل للتظاهرات تردّي أوضاع السجون، شرعنة العزل السياسي، التعبير عن الرأي ولو بـ240 حرفاً سيكون مصيره السجن 5 سنوات على الأقل كما حدث لنبيل رجب التعاطف ــــ ولو عبر تفقّد ساحة الاعتصام التي قُمِعَت بجوار منزل آية الله عيسى قاسم ـــ سيكون سبباً للاعتقال التعسّفي كما حدث لرئيس «المجلس الإسلامي العلمائي» مجيد المشعل السعي لمبادرة حل سياسي سيتحول إلى تهمة جاهزة بوصفه جريمة تخابر كما حدث للشيخ علي سلمان من غير المسموح أن تنتقد الحكومة ولو كنت في موقع المفوض السامي كما حدث للمفوض السابق الأمير زيد بن رعد الذي تحوّل إلى أحد ضحايا خطاب الكراهية في البحرين بسبب انتقاده الأوضاع الحقوقية.

مقابر الأحياء
يمثل تردّي أوضاع السجون الوجه الآخر للاعتقال التعسّفي، حيث يقبع السجناء في مؤسسات «إصلاحية» لا تلبّي القواعد النموذجية الدنيا لمعاملة السجناء وتوفر بيئة خصبة للتعذيب وسوء المعاملة وتعزيز سياسة الإفلات من العقاب. لقد تم رصد أكثر من 14 ألف حالة اعتقال تعسّفي منذ 2011، فيما يقبع في السجون الآن أكثر من 4000 سجين رأي.

وفي حين لا يزال الإعلام الرسمي حتى اليوم يحرّض على سجناء الرأي عبر المئات من المواد الإعلامية المشحونة بالكراهية أسهم التطور السريع للإفلات من العقاب في تشكّل مجموعة داخل المنظومة الأمنية من «جناة التعذيب». هؤلاء تربطهم مصالح مشتركة، ولا يتحلّون بأدنى معايير الإنسانية وهم اعتادوا استخدام الأسماء المستعارة وإخفاء وجوههم عن الضحايا أثناء ممارسة التعذيب.

واقع يشمل جميع السجون الرسمية الأربعة في البحرين إلا أنه يتركز بشدة في سجن الحوض الجاف (مركز الحبس الاحتياطي) وسجن جو المركزي (مركز حبس المحكومين) حيث تتنوّع ممارسات التعذيب، ويُعدّ أبرزها التعذيب بالكهرباء الذي تعتبر البحرين «رائدة» في مجاله؛ لوجود عناصر أمن يتفنّنون في صعق أجساد الضحايا بالأسلاك الكهربائية ويصل بهم الأمر حدّ تصوير بعض جلسات التعذيب وتهديد ضحاياها بنشر مقاطع لهم وهم عراة.

خنق المجتمع المدنيAlmanamah2018.7.28

تركّزت المهمة الأساسية للمنظومة الأمنية منذ عام 2016 على إلغاء المعارضة السياسية وشطب المجتمع المدني. لذلك تم اللجوء إلى أشكال متعددة من القمع تنوّعت ما بين: إجراءات أمنية وقضائية، وتحريض إعلامي لتقويض حرية تكوين الجمعيات وملاحقة القيادات المعارضة وحظر تطوير العلاقات الدبلوماسية وتعطيل بعضها والحظر غير المعلن على إنشاء منظمات جديدة مستقلة والعزل السياسي وألغام تشريعية تم تحريك بعضها بعد 2011 والأخطر دور «جهاز الأمن الوطني» الذي لاحق الناشطين إما بالتعذيب الشديد أثناء التحقيق أو التهديد باستهداف مصالحهم التجارية ومصادرة ممتلكاتهم.

ممارسات يشكّل القانون رافداً لها كما هي حال المادة 163 التي تجرّم تأسيس أو إدارة أي منظمة غير مرخصة أو الانضمام إليها والمادة 11 من قانون الجمعيات الأهلية التي تتيح رفض طلبات تسجيل المنظمات من خلال التفسير التعسّفي للقانون وأيضاً حلّ الجمعيات أو إيقافها مؤقتاً أو تعيين مديرين لها أو مجالس إدارة أو دمجها مع جمعيات أخرى وكل ذلك بموجب أسباب غامضة (المواد 50، 23، 24). وعلى المنوال نفسه يسير قانون الجمعيات السياسية في كثير من المواد المتضمّنة الإجراءات نفسها؛ فعلى سبيل المثال يسمح القانون لوزارة العدل برفع دعاوى قضائية لحلّ الجمعيات السياسية أو إيقافها من دون تحديد ماهية المخالفات (المادة 23) وهو ما استفادت منه السلطة في حلّ جمعيات «الوفاق» و«وعد» و«أمل».

الاشتباك الدبلوماسي

تخصّص البحرين موازنة كبيرة لحملات العلاقات العامة التي تشتغل عليها وزارة الخارجية، ويقود فريقها مساعد وزير الخارجية عبد الله الدوسري، من خلال المشاركة الدورية في أعمال مجلس حقوق الإنسان أو التعليق على تقارير لجان المعاهدات الدولية أو مواجهة عمل المنظمات الحقوقية المستقلة عبر التواصل مع آليات الأمم المتحدة. وعلى رغم تكبيل المجتمع المدني والانتقام من الحقوقيين بسبب تعاونهم مع آليات الأمم المتحدة إلا أن تقارير الدبلوماسية البحرينية لم تتمكن من إيقاف الإدانات الحقوقية أو تخفيض سقفها. صحيح أن تلك الإدانات لا تتجاوز المستوى اللفظي بيد أن استمرارها في ظلّ سحق المجتمع المدني يمثل فشلاً ذريعاً للخارجية البحرينية في إيقاف الاشتباك الدبلوماسي في أروقة الأمم المتحدة مع الجهات الحقوقية.

يضاف إلى ذلك لم تتمكن «الغونغوز» التي تستعين بها السلطة من اكتساب أي مصداقية أمام الجهات الأممية. أما «المؤسسة الوطنية لحقوق الإنسان» فليست أفضل حالاً على الرغم من تخصيص أكثر من مليوني دولار موازنة لها في 2018 إلا أنها فشلت في الحصول على التصنيف «أ» لدى الاعتمادية الدولية ومن أهم إنجازاتها ـــ بحسب تقرير الخارجية البحرينية المُقدّم للجنة حقوق الإنسان ـــ «إصدار النشرات والمطبوعات والبيانات والتقارير الخاصة»! وقبالة ذلك، استمر الاحتفاء الدولي بالحقوقيين البحرينيين مثل نبيل رجب الذي مُنح صفة المواطنة الشرفية من بلدية باريس رغم أنه في السجن.

المنامة وتل أبيب: «تبادل خبرات» في القمع

يستعين النظام الحاكم في البحرين في مواجهته الحراك الشعبي المعارض بخبرات الكيان الإسرائيلي على المستويات كافة متصدّراً في الوقت عينه جهود التطبيع الجارية على قدم وساق مع إسرائيل وفق ما تؤكد باستمرار وسائل الإعلام العبرية «مبشّرة» بقرب خروج العلاقات المتواصلة منذ 25 عاماً من السرّ إلى العلن. منذ عام 2009، قاد الدبلوماسي المخضرم، المُلقّب بـ«مهندس العلاقات مع الخليج» بروس كشدان تحركات لتعزيز الأواصر مع البحرين.

وكان أبرز لقاء رتّبه في ذلك العام في نيويورك بين الرئيس الإسرائيلي السابق شمعون بيريز وحاكم البحرين حمد بن عيسى آل خليفة وفق ما كشفت عنه قبل أيام وزيرة خارجية الكيان السابقة تسيبي لفني عبر «القناة 13» العبرية، التي أشارت إلى أن اندلاع ثورة 14 فبراير أقنع أسرة آل خليفة بضرورة تكثيف العمل مع الكيان والاستفادة من خبراته الأمنية في مواجهة المقاومة الشعبية على الأراضي الفلسطينية.

هذا التعاون لطاما اتخذ من شعار «التقريب بين الأديان» ستاراً له مثلما يتضح من تصريحات الحاخام الأميركي - اليهودي مايك شناير، الذي يؤكد ارتباطه الوثيق بملك البحرين منذ 2011 حيث التقى به لأول مرة في قصره لتعقب ذلك لقاءات عديدة رتّبها شناير نفسه. وينقل الأخير عن حمد بن عيسى عبارات كثيرة منها: «إن الشرط الأوحد لضمان بقاء الصوت العربي قوياً ومعتدلاً في الخليج يتمثل في أن تبقى إسرائيل قوية».

ويصف شناير الملك البحريني بأنه «مثابر على تأكيد رغبته في بناء علاقة مع إسرائيل وإذا كانت ثمة دولة قام زعيمها ببناء قاعدة أساسية لتطوير العلاقات مع إسرائيل فهي البحرين» مضيفاً أنه «توجد ستة خيول في السباق: السعودية، الإمارات، البحرين، قطر، الكويت وعُمان، وإذا تعين عليّ أن أراهن على الحصان الذي سيصل أولاً إلى خط النهاية للعلاقات الدبلوماسية، فإنني أختار الحصان البحريني».

 سريعاً تبوّأ شناير منصب مستشارٍ لحمد بن عيسى وكُلِّف مهمة تعزيز علاقات المملكة باليهود في الولايات المتحدة والتمهيد لزيارة مرتقبة لرئيس وزراء الكيان، بنيامين نتنياهو، للمنامة بعد مسقط. ووفقاً لما كشفته «القناة 13» أبلغت المنامة تل أبيب منذ أكثر من عامين باهتمام حاكم البحرين بتطبيع العلاقات مع الكيان الصهيوني وقراره التحرك في هذا الاتجاه. وقد أوصل الرسالة وزير خارجية البحرين خالد بن أحمد آل خليفة إلى رئيس وزراء الكيان عبر الوزيرة السابقة ليفني في اجتماع سري على هامش مؤتمر ميونيخ للأمن في عام 2017.

وكان سفير واشنطن السابق في المنامة وليام مونرو قد كشف أنه التقى ملك البحرين في 15 شباط/ فبراير 2005 ناقلاً عن حمد بن عيسى تفاخره بوجود تعاون أمني مع «الموساد» وكشفه النقاب عن إصداره أوامر لوزير الإعلام آنذاك محمد عبد الغفار بالكفّ عن تسمية كيان الاحتلال في البيانات الرسمية للمملكة بـ«العدو» أو «الكيان الصهيوني» وفق ما جاء في وثائق «ويكيليكس» التي تحدثت كذلك عن علاقات سرية بين ملك البحرين ورئيس «الموساد» مميطة اللثام عن استعانة السلطات البحرينية بالأخير لإخماد ثورة 14 فبراير.

استعانة لا تزال تسلك خطاً تصاعدياً؛ إذ تستخدم السلطات برامج وتقنيات إسرائيلية للتجسّس على النشطاء، مقابل ملايين الدولارات التي تدفعها لكيان الاحتلال. وقد نشرت صحيفة «هآرتس» الإسرائيلية في تشرين الأول/ أكتوبر 2018 تحقيقاً كشفت فيه شراء البحرين تقنيات تجسّس متخصصة في جمع معلومات من شبكات التواصل الاجتماعي من إنتاج شركة «فيرنيت» الإسرائيلية.

وكشفت أن الإسرائيليين يذهبون إلى البحرين من أجل تدريب رجال الأمن على استخدام تقنيات التجسس التي اشترتها حكومتهم من إسرائيل أو لصيانة تلك الأجهزة مشيرة إلى أن البحرين احتلّت المركز الأول في قائمة من عشرات الدول التي تشتري أجهزة التنصّت والتجسّس من الكيان فيما رصد «مختبر المواطن – سيتزن لاب» التابع لجامعة تورنتو الكندية نشاطاً لبرنامج «بيغاسوس» الإسرائيلي لمدة فاقت العامين مؤكداً استخدام الحكومة البحرينية هذا البرنامج من خلال مشغّل اسمه «Pearl».

منذ زمن طويل والوضع في البحرين مدعاة للقلق والاهتمام بما يجري داخله عربياً وعالمياً. وذلك لم يقتصر البتة على التطورات التي شهدتها السنوات الثماني الفائتة. لقد عاينت بنفسي هذه المتغيرات منذ أكثر من عقدين من الزمن بعدما قادني إليها نشاطي الحقوقي على صعيد العالم العربي. كنت شاهدة من خلال ورشات العمل ومراقبة الانتخابات والاحتكاك مع نخبها المثقفة والناشطة سياسياً وحقوقياً، على تراجع تدريجي في مستوى الحقوق والحريات وعلى انسداد الآفاق شيئاً فشيئاً أمام الرأي الآخر. ذلك بعد فترة قصيرة ـــ بدت وكأنها بين مزدوجتين ـــ من الانفتاح النسبي وعودة بعض المناضلين البحرينيين، الذين عرفت بعضهم من الخارج إلى وطنهم وتكوين تجمعات حزبية وجمعيات حقوقية وحراك نشط لإرساء أسس مجتمع قائم على التعددية وترسيخ قيم العدالة والمساواة وحقوق الإنسان.

البحرين كما عرفتها

وإن كان لا بد من إطلالة مقتضبة على التاريخ الحديث لهذا البلد لتوضيح جزء من الصورة أبدأ منذ إعلان استقلال البحرين عام 1971، وتوقيع معاهدة صداقة مع بريطانيا. في هذه السنة أصبح الشيخ عيسى بن سلمان آل خليفة أميراً وبعدها بعامين (1973) كُتب دستور البلاد الذي أوقف العمل به لاحقاً 27 عاماً. عام 1999 شهد قدوم الشيخ حمد بن عيسى آل خليفة أميراً جديداً ليجري في شباط/ فبراير 2001 استفتاء على عملية إصلاح سياسي تُحوَّل بموجبها البلاد إلى نظام ملكي دستوري يتمتع بمجلس نواب وجهاز قضائي مستقل.

وفي 2002 أصبح الأمير ملكاً للبلاد. وفي العام نفسه أُجريت تعديلات دستورية تبعتها أخرى كان منها تقويض الحقوق السياسية وتغييب الفصل بين السلطات الثلاث مع ما جرّه ذلك من نتائج مدمّرة، منها غياب المحاكمات العادلة.

كان الجواب على انتهاك الحقوق والحريات على مدى تلك السنوات حراكاً شعبياً واسعاً، لكنه قوبل بالإمعان في الإجراءات القمعية والقفز فوق القوانين واستحداث تعديلات تشريعية لتطوير قدرات المنظومتين الأمنية والقضائية على ممارسة عمليات العقاب الجماعي. لقد مُنحت السلطة التنفيذية سلطة تقديرية مطلقة حتى من دون تعليل أو إخطار مسبق للمستهدَف بالإجراء أو إعطائه فرصة الدفاع عن نفسه. ذلك رغم أن في الأمر تجريداً من الأوراق القانونية الثبوتية، ومن الحقوق المدنية والسياسية علاوة على السجن والتعذيب والإخفاء والإعدام.

التهم التي وُجِّهت إلى المعارضة البحرينية لا تتعلق بارتكاب جنايات أو حتى جنح بل بالحق في التعبير عن الرأي أو المشاركة في تجمع سلمي. وفي ذلك مخالفة صريحة للقانون الوطني البحريني، وللاتفاقيات الدولية التي أبرمها هذا البلد وللشرعة الدولية. ولنا في المثال الأخير للاعب البحريني حكيم العريبي أكبر مثال على ملاحقة كلّ من يروق السلطاتِ ملاحقتُه لسبب أو لآخر. يغيب عن ذهن هذه السلطات أن حق الدول في تقرير مصير رعاياها ليس حقاً مطلقاً، بل عليها الامتثال لالتزاماتها الدولية.

لقد عكست التحركات المطلبية في البحرين اهتماماً متفاوتاً على الصعيد الدولي، قد يراه البعض خافتاً إلى حدّ ما، على رغم ضراوة القمع والانتهاكات بمواجهة احتجاجات بقيت طوال سنوات متعاقبة سلمية. وهي انتهاكات طاولت كل شرائح المجتمع التي احتجّت على القهر من الصحفيين والكتّاب وأصحاب الرأي، إلى الأطباء والعاملين في الحقل الصحي، إلى الرياضيين والمعلمين والطلبة والعمال. وعلى الرغم من ورشات العمل والمفاوضات والتقارير والتوصيات التي أدارتها وأصدرتها الأمم المتحدة وغيرها من جمعيات حقوقية دولية، فقد تواصلت هذه الانتهاكات لا بل تصاعدت بنحو نوعي ومنهجي مع ما يحمله ذلك من خطر ليس فقط على ضحايا الانتهاكات، بل أيضاً على المؤسسات الحقوقية التي يصبح التشكيك في جدواها وفعاليتها مبرراً.

قابلت السلطات البحرينية ذلك بأن ناورت وراوغت وقفزت فوق القوانين المحلية والدولية غير آبهة لمغبة ما تفعله. ومن جملة الخطوات التي اتخذتها، ضمن دبلوماسية «القبضايات» والاستهتار بالمنتظم الدولي التعاقد مع شركات ووسائل إعلام أوروبية وعالمية لتحسين صورتها ولتشويه الحراك السلمي إعلامياً واتهامه بالارتهان للخارج وممارسة العنف. ومقابل دسّ معلومات ترويجية كاذبة ومغلوطة عن النظام وعن «تعامله الإنساني» مع المتظاهرين بثّت دعاية عن «الخلايا التآمرية» للناشطين المعارضين لتتحول من ثم إلى استعمال مصطلح «الإرهاب» عند تناول موضوعهم.

اليوم في ظلّ وضع اقتصادي صعب، وتباطؤ النمو العالمي، تتجه الأنظار نحو المسار الاقتصادي القادم للدول العربية المنتجة للنفط. والبحرين من الدول التي تعاني من الازدياد السريع للدَّين العام والارتفاع المستمر في عجز الميزانية. إن كان قلق النخب الحاكمة لغياب شرعيتها يدفعها إلى المبالغة في القمع فكل عاقل يرى في وقف العنف ضرورة وجودية تُفرض على رأس التحولات المستعجَلة المطلوبة لهذه المنطقة من العالم.

العنف الذي يُعمِل معاول الهدم في البنية التحتية وفي الاستثمار والاستقرار في المنطقة العربية يكبّد اقتصادياتها تريليونات الدولارات. فهل للبحرين أن تعيش ما عاشته أخوات لها لم تعرف كيف تنتهز الفرصة المناسبة لوقف التدهور المخيف؟ أم يمكن تحويل المسار بسرعة وجدية وشجاعة قبل اشتعال النيران في الهشيم الذي يمكن أن يكون مدخلاً لتفكيك الدولة؟ مصاب بالعمى من لا يرى التحولات القادمة. كذلك إن وقت الحساب لا بد قادم وما من جريمة تسقط بالتقادم.

واقع كهذا يجب أن يكون حافزاً على الإسراع في وضع خطة لخلق بيئة إيجابية واتخاذ تدابير لبناء الثقة وجمع أبناء البلد حول طاولة حوار. فالخطر على البحرين وعلى الدول الخليجية عموماً ليس من إيران كما يحلو لهم الصياح صباح مساء بل من حالة عدم رضا شعبها ومن تهميش شبابها، ومن إحساسه بعدم وجود مخرج سياسي للمظالم التي يعيشها. هو يطالب بإصلاحات سياسية توفر له بديلا آخر من الفكر السلفي والتدميري والضياع الوجودي.

وكي لا يحيد هذا النضال السلمي عن مساره الصحيح ويشرّع الباب أمام التدخلات المباشرة والتفكيك وبلوغ نقطة اللاعودة من الأجدى الاستعجال باتخاذ الإجراءات الكفيلة بإطلاق مصالحة وطنية والشروع الجدي في حوار يضع برنامجاً لتحول ديمقراطي فعلي.

باقر درويش - حسن قمبر - فيوليت داغر من ملف : ثمانية أعوام على «انتفاضة اللؤلؤة»: البحرين سجن كبير يضيق بنزلائه - الأخبار

أضف تعليق

الرجاء عدم الخروج عن الموضوع في كتابة التعليق...

كود امني
تحديث

كتبوا

أدبيات حركة خلاص

يمضون

حوارات

 khlaas2016.7.8

12797444
زوار اليوم
هذا الأسبوع
هذا الشهر
22096
123292
307675

صفحتنا على الفيس بوك

كاريكاتير

أعلى الصفحة

إبحث