المرصاد نت - متابعات

على الملأ وبعيداً عن الغرف المغلقة شهد الأردنيون أخيراً على نحو استثنائي إقالة مدير للمخابرات وتعيين آخر في خطوة أقدم عليها عبد الله بعد أسبوع من تغييرات في بلاطه أطاحت بعضGordan2019.5.20 المستشارين وأبقت ولو شكلياً على أقربهم..

حملة إقالات وهيكلة بدأها الملك الأردني عبد الله الثاني أخيراً في أوساط بلاطه الذي كان منذ انطلاق الحراك الشعبي عام 2011 موضع نقد، لجهة عدد موظفيه الضخم ويدهم الطولى في كل مرافق الدولة إلى حدّ يمكن وصفهم معه هم ودائرة المخابرات بالدولة العميقة التي تدير البلاد. لكن هذه الخطوة لم تأتِ منفردة بل أُتبعت بإقالة رأس المخابرات العامة، المؤسسة الأمنية الأكثر حساسية في المملكة.

بدأ «الفرز الملكي» في البلاط والذي لا يُعرف مداه بإقالة مستشار الملك فيصل الشوبكي الذي يحمل رتبة فريق أول. والشوبكي تولّى قبل تعيينه في الديوان الملكي (آذار/ مارس 2017م) منصب مدير دائرة المخابرات إضافة إلى كونه مستشاراً للملك لشؤون الأمن القومي منذ 2015م أما التغيير الثاني فكان بإعادة تسمية منار الدباس «مستشاراً فقط» للملك بعدما كان إضافة إلى ذلك مدير مكتبه منذ شباط/ فبراير 2018م الأمر الذي يثير تساؤلات عن مدى قرب الرجل من التوليفة التنفيذية التي تحيط بعبد الله وما إذا كان يُفهم من التسمية الجديدة إبعاده فعلياً عن مكتب الملك، وخصوصاً أن المستشار قد لا يُستشار فعلياً. والدباس من الشخصيات التي رافقت الملك منذ بداية أزمة «صفقة القرن» كما عمل مديراً تنفيذياً في مكتب الأمير السعودي تركي بن طلال بين 2006 و2010م قبل أن يدير مكتب ولي العهد الأردني حسين وهو أيضاً من الوجوه المعروفة التي عملت في السفارة الأردنية لدى واشنطن في بداية حكم عبد الله.

إذاً لا تسمية بعد لمدير مكتب الملك ومن غير الواضح ما إذا كانت صلاحيات الدباس السابقة ستُوزع على أكثر من شخص كما أن من غير المحسوم إعادة تعيين الرجل في منصب آخر ــــ ربما وزاري ــــ قريباً، علماً بأن كل ذلك يجري مع اقتراب موعد إعلان الخطة الأميركية المُسمّاة «صفقة القرن» وما حُكي (وفق تسريبات مصرية) عن تعديلات في الصف الأول في المملكة بالتزامن. أما مستشار الملك للشؤون الاقتصادية محمد العسعس فطاولته أيضاً إعادة التسمية ليصير مستشاراً كسابقه قبل أن يتم تعيينه وزيراً للتخطيط والتعاون الدولي ووزير دولة للشؤون الاقتصادية. لكن هذا لم يتكرر مع اللاعبين الجدد حول عبد الله، مثل بشر الخصاونة الذي تم تعيينه مستشاراً للاتصال والتنسيق بعدما عمل سفيراً للمملكة لدى القاهرة وكمال الناصر الذي أصبح مستشاراً للسياسات والإعلام.

على خط موازٍ وبينما يكثّف الملك حضوره الداخلي ما بين لقاءات موسعة وزيارات للمحافظات ومشاركة في التدريبات العسكرية بعث برسالة هي الأولى من نوعها علناً إلى مدير المخابرات الجديد أحمد حسني حاتوقاي (لم يُذكر اسمه الثالث في الرسالة) ذي الأصول الشركسية الذي شغل سابقاً منصب مساعد مدير المخابرات لشؤون المناطق بعدما عمل مديراً لمخابرات العاصمة حيث النخبة السياسية والسفارات ومركز إدارة الدولة. ويعيد تعيين شركسي في منصب حسّاس الآن إلى الأذهان حكم عبد الله الأول عندما تم إنشاء إمارة شرق الأردن عام 1921م وكان الشركس حصراً هم الحرس المؤتمنون على القصر.

وحملت رسالة الملك الشديدة اللهجة انتقادات قاسية لمن وصفهم بأنهم «حادوا عن طريق الخدمة المخلصة للوطن»، في إشارة على ما يبدو إلى ضباط رفيعي المستوى تمت إقالتهم. وتُعدّ دائرة المخابرات في الأردن أقوى أذرع الدولة الأمنية لناحية التدريب والكفاءة، كما أنها أهم ركائز المحافظة على العرش. وبالتالي يبعث استخدام الملك كلمتَي «حادوا» و«مخلصة» على التساؤل عن احتمال وجود تجاوز وطبيعته، في مرحلة وصفها عبد الله بنفسه بأنها حساسة وربطها بثوابت أردنية من ضمنها «الدستور» الذي بموجبه يتقرر نظام الحكم النيابي الملكي الوراثي. أما مدير المخابرات الجديد، حاتوقاي، فبعث برسالة جوابية بروتوكولية نشرها الموقع الرسمي للديوان، وهي لم تخرج عن المألوف ثم أعلن الديوان وصول رسالة أخرى من مدير المخابرات «المُقال»، عدنان الجندي (تسلم منصبه بعد ساعات من اختتام القمة العربية الـ 28 التي عُقدت في الأردن عام 2017م وتم ترفيعه أخيراً وإحالته على التقاعد فور قبول استقالته).

تبدو سياقات هذه التغييرات مرتبطة بالسياسة أكثر منها بوجود تقصير أمني أو تراجع في الضبط الداخلي وخصوصاً أن استدعاء الناشطين والطلب منهم الحدّ من نشاطهم مستمر. كما لا يمكن اعتبار التبديلات في المخابرات سابقة من نوعها إذ دوماً ما يتم التغيير بسلاسة وأحياناً على نحو صارخ على إثر قضايا مالية صدرت فيها أحكام قضائية كما حدث مع مديرَي المخابرات السابقَين سميح البطيخي ومحمد الذهبي والأخير جابه نفوذ مدير الديوان باسم عوض الله (كان حتى نهاية 2018 مبعوث الملك الخاص إلى السعودية). بالنتيجة يظهر أن عبد الله لا يستشعر الأمان من أكثر المقربين إليه وهذه التنقلات في الوقت بدل الضائع قبل إعلان «صفقة القرن» هي في نظر كثيرين محاولة للسيطرة على زمام الأمور وخاصة أن أي تغيير في الوضع الحالي «غرب النهر» سيشكل أزمة شديدة بالنسبة إلى «الدولة الحائرة».

عمّان على هامش الاهتمامات الأميركية

صار واضحاً في السنتين الأخيرتين أن إدارة الرئيس الأميركي دونالد ترامب حجّمت الدور الأردني في المنطقة لتتراجع المملكة عن ترتيبها ضمن قائمة «حلفاء واشنطن». فعلى رغم استمرار تدفق المساعدات التي أقرّها الكونغرس لعمّان إلا أن الأخيرة تبدو مغيبة عمّا يجري في أروقة البيت الأبيض في انتظار الإعلان الرسمي عن بنود الخطة الأميركية لـ«السلام» المُسمَّاة «صفقة القرن». وخلال المدة الأخيرة وقّع الأردن مع «الوكالة الأميركية للتنمية الدولية» (USAID) ثلاث اتفاقات لتحديد كيفية إنفاق الوكالة ما قيمته 329 مليون دولار كمساعدات تنموية لعمّان. وتأتي هذه المساعدات ضمن حزمة الدعم الأميركي للمملكة لخمسة أعوام بواقع 1.3 مليار دولار سنوياً. واللافت في الاجتماع بين وزيرة التخطيط والتعاون الدولي الأردنية ماري قعوار ومدير بعثة «الوكالة الأميركية» جيم بارنهارت حضور كارين ساساهار بصفتها قائمة بأعمال السفارة الأميركية لدى عمّان.

هكذا بهدوء تام اختفى عن المشهد القائم بأعمال السفارة السابق بول مالك الذي لم يمضِ على تعيينه أشهر بعدما كان قنصلاً في دبي لتحلّ ساساهار مكانه في آذار/ مارس الماضي. ووفق موقع السفارة في الأردن شغلت ساساهار قبل قدومها منصب القنصل العام في القدس ما بين آب/ أغسطس 2018 وآذار/ مارس 2019. وهي أيضاً عملت سابقاً مُقيّماً في «هيئة فحص الكفاءة الوظيفية» التابعة للخارجية الأميركية ونائب السفير الأميركي في اليمن ومستشار السياسة الخارجية لقائد مركز قيادة العمليات الخاصة في قاعدة «ماك دِل» للقوات الجوية في تامبا بفلوريدا. وساساهارا غادرت موقعها قنصلاً بعدما دُمجت القنصلية العامة في القدس مع السفارة (تحولت الأولى إلى «وحدة الشؤون الفلسطينية») إثر قرار ترامب نقلها من تل أبيب. هذه التنقلات في السفارة الأميركية تسلط الضوء على خلوّ مقعد السفير لدى عمّان منذ أكثر من عامين بعد مغادرة السفيرة «المُشاكسة» أليس ويلز منصبها في 2017.

الجدول الأميركي في الأردن قد يبدو عادياً مع استمرار تدفق المساعدات كما هو مخطط وكذلك التدريبات العسكرية التي تعلنها السفارة فيما تكتفي عمّان بنشر أخبار الزيارات واللقاءات الرسمية مع الملك ووزير الخارجية ورئيس هيئة الأركان المشتركة. لكن ما هو مستغرب عدم انطلاق «مناورات الأسد المتأهب» 2019م التي كان قد أعلن عنها في تشرين الأول/ أكتوبر الماضي من دون أن يُحدَّد موعد لها، علماً بأن الموسم الثامن منها بدأ في نيسان/ أبريل 2018م هذا التأخير يفتح الباب أمام تساؤلات عن سببه وهل هو مرتبط بحلول رمضان أو أن الأميركيين لم يعودوا مهتمين باستمرار هذا النوع من المناورات مرحليا مع الانشغال بالمواجهة «المفترضة» مع إيران وتمركز النشاط في العراق.

وبينما تتصاعد حمّى الخلاف في واشنطن بين الجمهوريين والديموقراطيين في شأن قضايا عديدة يظلّ الأردن على هامش هذا الخلاف إذ لا يزال يحتفظ بعلاقات جيدة مع الطرفين الأمر الذي كان واضحاً في الزيارة الأخيرة للملك عبد الله الثاني لواشنطن قبل شهرين حيث عقد لقاءات مع أعضاء في مجلسَي الشيوخ والنواب، لكنه للمرة الثانية خلال وقت قصير لم يلتقِ الرئيس الأميركي الذي يبدو أنه يكتفي بأن يهاتف ويستقبل الممولين وليس طالبي المساعدات!

تعديل وزاري ثالث خلال عام

شهد الأردن تعديلاً وزارياً ثالثاً على الحكومة التي خَلَفت سابقتها إثر احتجاجات شعبية قبل نحو عام، حين كلّف الملك عبد الله الثاني بتأليفها عمر الرزاز وهو أحد أبرز الوجوه الاقتصادية التي عملت في البنك الدولي كما أنه من الشخصيات المقربة لدى السفارة الأميركية في عمّان. وجاء التعديل الثالث خلال سنة ضمن سلسلة تغييرات بدأها الملك في بلاطه ثم دائرة المخابرات وأخيراً في السلطة التنفيذية.

ولعل أبرز التنقلات كانت لمستشار الملك للشؤون الاقتصادية في الديوان الملكي محمد العسعس الذي أقسم اليمين أمس أمام الملك وزيراً للتخطيط والتعاون الدولي ووزير دولة للشؤون الاقتصادية بعد أيام من إعادة تسميته مستشاراً فقط في الديوان وبذلك عادت هذه الوزارة الحساسة إلى دائرة عبد الله بعدما ابتعدت عن القصر بخروج مستشار الملك الاقتصادي السابق، مدير الدائرة الاقتصادية في البلاط الملكي عماد فاخوري مع سقوط حكومة هاني الملقي العام الماضي.

وبجانب تغيير في تسميات بعض الوزارات ودمج أخرى واستحداث وزارة بدا أن الأسماء القديمة ــــ الجديدة تراوح مكانها كما في الحقيبة الأهم: «الداخلية» فقد عاد سلامة حماد إلى الواجهة من جديد وهو الذي شهدت ولايته الأخيرة أحداثاً كبيرة؛ من أبرزها اغتيال الشهيد ناهض حتر والعمليات الإرهابية في الكرك التي أودت برجال أمن ومدنيين وسياح أجانب إلى جانب اتهامه من نائبة سابقة في البرلمان بتزوير انتخابات دائرة بدو الوسط على إثر اختفاء صناديق اقتراع في انتخابات 2019.

ردود الفعل الشعبية جاءت مستهزئة بهذا التعديل «المائع» الذي جلب توليفة من الأسماء المتناقضة في توجهاتها ما بين الليبرالي المنفتح و«الحرس القديم» من دون المساس بالخارجية الأقرب من الديوان وهذا يعني أن السياسة الخارجية غير مشمولة بتعديلات الرزاز غير الناجعة وخصوصاً أن الرجل فقد بالفعل الغالبية العظمى مِمَّن تحمسوا له في البداية. ومن المستبعد أن يكون الملك متكئاً على مثل هذه الحكومة في استحقاقات المرحلة المقبلة.

من جهة أخرى وعلى خلاف ما أشيع سابقاً لم يفضِ الغزل بين القصر و«الإخوان المسلمون» وبين الحكومة و«الإخوان» إلى توزير أيٍّ من وجوه الجماعة على رغم أنه ساهم في تهدئة الوضع الداخلي.

ريم رضا - الأخبار

أضف تعليق

الرجاء عدم الخروج عن الموضوع في كتابة التعليق...

كود امني
تحديث

كتبوا

أدبيات حركة خلاص

يمضون

حوارات

 khlaas2016.7.8

14810074
زوار اليوم
هذا الأسبوع
هذا الشهر
5574
138518
370459

صفحتنا على الفيس بوك

كاريكاتير

أعلى الصفحة