المرصاد نت - متابعات

تستمرّ الإجراءات التركية - الأميركية المشتركة لإتمام إنشاء «المنطقة الآمنة» في شرقيّ الفرات. وعلى رغم ما تثيره كل خطوة من خطوات تنفيذ الاتفاق من اعتراضات تركية وتصعيد في نبرة Usa Tourkia2019.9.12الخطاب والتهديد بالعمليات العسكرية إلا أن أنقرة لا تزال تجدّد تمسّكها بالاتفاق وتجتمع مع العسكريين الأميركيين للتفاهم، ولو على الحدّ الأدنى من التفاصيل. وأمس زار وفد عسكري أميركي مركز العمليات المشتركة في ولاية «شانلي أورفة» التركية، في إطار إجراءات تأسيس «المنطقة الآمنة».

ويبدو أن أنقرة في محاولاتها للدفع نحو تنفيذ الاتفاق وفق ما تريده هي، تمارس نوعاً من الابتزاز، تارة عبر التلويح بالخيار العسكري المنفرد، وأخرى عبر تهديد الأوروبيين بموجات لجوء جديدة. وكان وزير الخارجية التركي، مولود تشاوش أوغلو، قد اعتبر، أول من أمس أن جهود الولايات المتحدة لإقامة «منطقة آمنة» في شمال سوريا، هي حتى الآن «شكلية»، متهماً واشنطن بـ«المماطلة». وقال تشاوش أوغلو للصحافيين في أنقرة: «حصلت بعض الدوريات المشتركة نعم لكن الخطوات التي اتُّخذت بخلاف ذلك... شكلية فقط». بدوره، شدد المتحدث باسم الرئاسة التركية إبراهيم قالن أول من أمس أيضاً، على أن إجراء دوريات مشتركة أمر «صائب ولكنه غير كافٍ»، مضيفاً أن تركيا «تحتاج إلى مواردها الخاصة، لا إلى الاستخبارات الأميركية، لتأكيد أن منطقة ما آمنة». وتابع قائلاً: «لمتابعة التطورات على الأرض، يجب أن يكون جنودنا وخبراؤنا في الميدان وعلينا أن نتأكد من أن ذلك يحدث بحسب مواردنا الخاصة».

ويوم أمس أصدرت وزارة الدفاع التركية بياناً عن لقاءات العسكريين الأميركيين والأتراك في شانلي أورفة أشارت فيه إلى أن الوفد العسكري الأميركي الموجود في تركيا أجرى «زيارة لمركز العمليات المشتركة في قضاء أقجة قلعة». ويترأس الوفدَ العسكري الأميركي نائبُ قائد القوات الأميركية في أوروبا ستيفن تويتي بالإضافة إلى نائب قائد القوات المركزية الأميركية توماس بيرغسون. وتأتي زيارة الوفد الأميركي لشانلي أورفة أمس عقب إتمامه الثلاثاء لقاءات مع مسؤولين أتراك في العاصمة أنقرة.

وكانت وسائل إعلام تركية قد تحدثت عن عدم رضى أنقرة عن المرحلة الأولى من الاتفاق إذ يريد المسؤولون الأتراك منطقة بطول 440 كم على امتداد الحدود لا 120 كم فقط مع الإشارة إلى أن الدوريات المشتركة التي نفّذت الأحد «جاءت على سبيل العرض فقط» من جانب الأميركيين وأن الجنود الأتراك يريدون أن تكون المنطقة داخل سوريا أعمق من 5 كم وهو موقف يكرره الرئيس التركي رجب طيب أردوغان، باستمرار.

المجر تخرق القطيعة الأوروبية لدمشق
تعتزم المجر (هنغاريا) تعيين دبلوماسي للقيام «بالمهمات القنصلية» في دمشق، بدءاً من العام المقبل، في أول خطوة من دولة عضو في الاتحاد الأوروبي لرفع مستوى تمثيلها الدبلوماسي في سوريا منذ بدء الحرب قبل ثماني سنوات. وأعلنت وزارة الخارجية المجرية في بيان أنه «بدءاً من العام المقبل ستوفد المجر دبلوماسياً سيزور سوريا من حين لآخر للقيام بمتابعات في شأن الدعم الإنساني والقيام بمهمات قنصلية». في غضون ذلك أكد وزير الخارجية المصري سامح شكري «وجود مشاورات بين الدول العربية حول عودة سوريا إلى جامعة الدول العربية». وقال شكري في تصريح صحافي عقب اجتماع وزراء الخارجية العرب أول من أمس إن «سوريا دولة عربية مهمة وهناك مشاورات بين الدول العربية للتوافق على التوقيت الملائم والمناسب لعودتها إلى الجامعة العربية».

دوريات مشتركة على الحدود لا ترضي أنقرة: اتفاق «المنطقة الآمنة» نحو الفشل؟
دشّن مشهد الدوريات الأميركية ــــ التركية المشتركة على الشريط الحدودي في مدينة تل أبيض في ريف الرقة الشمالي مرحلة جديدة من مراحل تطبيق اتفاق «المنطقة الآمنة» إلا أن الخطوة كشفت حجم الخلافات بين الطرفين وهو ما تجلّى أيضاً في التصعيد الواضح في التصريحات التركية. وكما كان متوقعاً يأتي التقدم في تطبيق بنود الاتفاق المبهم التفاصيل أصلاً ليكشف نقاط الضعف فيه ويظهّر بالتالي بشكل واضح الهوّة بين الأطراف المعنيّة به الأمر الذي يضاعف مؤشرات فشله والتي تظهر في التصريحات الصادرة عن الأتراك والقوى الكردية.Usa Armysyria2019.9.12

وسعت واشنطن من خلال خطّ سير الدوريات التي جالت في ست قرى شرقي مدينة تل أبيض في ريف الرقة إلى إطلاع الدوريات التركية على ما أنجزته من أعمال ردم لأنفاق وتحصينات «وحدات حماية الشعب» الكردية لإقناع أنقرة بجدية خطواتها. وتزامن ذلك مع مساعي القوى الكردية إلى إبداء حسن النيات من خلال إصدار «هيئة الدفاع» في «الإدارة الذاتية لشمال وشرق سوريا» بياناً أكدت فيه أن «تسيير الدوريات هو جزء من التفاهمات التي عملت عليها قوات التحالف الدولي لنزع فتيل الحرب وتأمين الاستقرار في المناطق الحدودية»، مضيفاً إنها كذلك «جزء من خريطة طريق للوصول إلى تفاهمات مستدامة تؤمن الاستقرار بما يساهم بشكل فعّال في دعم جهود قوات سوريا الديموقراطية لملاحقة داعش واجتثاثه من جذوره».

لكن السرعة التي أنجزت بها الدوريات التركية مهماتها، التي لم تستمرّ إلا لساعتين، عكست إلى حدّ كبير عدم رضى أنقرة عمّا يتم إنجازه من قِبَل واشنطن والقوى الكردية لتطبيق بنود الاتفاق، بل إن الرفض التركي الرسمي لتلك الجهود سرعان ما جاء على لسان الرئيس التركي رجب طيب إردوغان، الذي شدد، خلال افتتاحه عدداً من المشاريع التنموية في ولاية ملاطي، على أنه «لا يمكن إنجاز المنطقة الآمنة عبر تحليق 3 ــــ 5 مروحيات، أو تسيير 5 ــــ 10 دوريات أو نشر بضع مئات من الجنود في المنطقة بشكل صوري». ولفت إلى أن «تركيا تجري مباحثات مع الولايات المتحدة حول المنطقة الآمنة»، مستدركاً بأنه «في كل خطوة تخطوها نشاهد أن ما نريده ليس الشيء نفسه الذي يدور في عقولهم». وكرّر إردوغان تهديده بأنه «إذا لم نبدأ بتشكيل منطقة آمنة مع جنودنا في شرقي الفرات قبل نهاية أيلول/ سبتمبر الجاري فلن يكون لدينا خيار سوى تنفيذ خططنا الخاصة».

ويعكس الموقف التركي خلافاً واسعاً حول طريقة تطبيق الاتفاق الذي أُبرم مع واشنطن، ما يعني أن غياب التفاصيل الدقيقة فيه قد يُفسَّر بعدم وجود بنود واضحة تم التوصل إليها بين البلدين أصلاً فيما تذهب تفسيرات أخرى إلى أن ظهور الخلافات بهذا الشكل هو نتيجة محاولة واشنطن إقناع تركيا وحلفائها الأكراد، كلّ على حدة بأن الاتفاق لمصلحتهم ما يرجح إعلان فشله. وفي هذا السياق تؤكد مصادر مطلعة أن «أنقرة ترى في خطوات واشنطن الأخيرة في تشكيل مجالس عسكرية للمناطق إعادة إنتاج للوحدات الكردية في لباس ورايات جديدة». وتُنبّه المصادر إلى أن «استمرار انتشار أعداد كبيرة من العسكريين الأتراك على الحدود السورية يعكس جدية التهديدات التركية بشنّ عملية عسكرية منفردة في الشمال السوري» كاشفة أن «تركيا أبلغت الفصائل السورية المسلحة التابعة لها البقاء في حالة تأهب لشنّ عملية عسكرية حالما يتم الإعلان عن فشل الاتفاق مع واشنطن».

ولعلّ التهديدات التركية التي تطلقها أنقرة، تزامناً مع تطبيق الاتفاق على الأرض تلقى صدى لدى قادة القوى الكردية وهو ما ذكره صراحة القائد العام لـ«قسد»، مظلوم عبدي في تصريحات إلى شبكة «سي أن أن» الأميركية حيث رأى أن «بيانات تركيا الاستفزازية كل يوم تصعّب الوصول إلى حلّ». وربّما أراد عبدي استغلال الحديث إلى وسيلة إعلام أميركية للإشارة إلى قوة الأوراق التي تملكها قواته على الأرض والخاصة بملفَّي المعتقلين الأجانب من «داعش» وعوائلهم الموجودة في مخيم الهول. إشارة عبدي هذه جاءت عبر تحذيره من أن «مخيم الهول يعتبر قنبلة موقوتة وأن قواتهم لا تزال تعتقل مسلحي داعش الأجانب في ظروف صعبة». وأبدى عبدي ثقة قواته بحليفتها، الولايات المتحدة، «لوضع حدّ للصراع مع تركيا».

إلى ذلك لم يتأخر تعليق وزارة الخارجية السورية على الخطوة الأميركية ــــ التركية إذ صدر بعد وقت قصير من الإعلان عن بدء تسيير الدوريات المشتركة على الحدود. ودان مصدر رسمي في الوزارة «قيام الإدارة الأميركية والنظام التركي بتسيير دوريات مشتركة في منطقة الجزيرة السورية، في انتهاك سافر للقانون الدولي ولسيادة ووحدة أراضي الجمهورية العربية السورية»، مضيفاً إن «هذه الخطوة تمثل عدواناً موصوفاً بكل معنى الكلمة وتهدف إلى تعقيد أمد الأزمة في سوريا وإطالتها بعد الإنجازات الميدانية التي حققها الجيش العربي السوري في مطاردة فلول المجموعات الإرهابية». وختم المصدر بالقول إن «الجمهورية العربية السورية إذ تجدد رفضها المطلق لما يسمى المنطقة الآمنة فإنها تؤكد التصميم والعزم على إسقاط كل المشاريع التي تستهدف وحدة وسلامة أراضيها».

واشنطن تقطع طريق دمشق ــ بغداد
تأجيل فتح معبر القائم بين سوريا والعراق الذي كان مقرراً خلال هذا الأسبوع بسبب الغارات التي نفذتها مسيّرات إسرائيلية ضد مواقع لمجموعات عراقية في منطقة البوكمال السورية يعني أن هذه الغارات حققت أهدافها. لم يكن سرّاً أن قطع طريق دمشق - بغداد - طهران «أوتوستراد إيران إلى المتوسط» بحسب واشنطن وتل أبيب هو بين أبرز الأولويات الأميركية - الإسرائيلية في سوريا.

أنصار بقاء القوات الأميركية في سوريا بعد إعلان ترامب إنجازها لمهمتها الرئيسة أي المساعدة على الانتصار على «داعش» برروا موقفهم بالتشديد على أهمية التصدي لما يعدّونه نفوذ إيران المتعاظم في هذا البلد، الذي تمدّد برّاً عبر العراق الذي يشكل معبر القائم إحدى «بواباته»، وفقاً لمزاعمهم. الحدود الممتدة بين سوريا والعراق تسمح طبعاً بوجود العديد من نقاط العبور الأخرى، لكن لإعادة فتح «القائم» أهمية رمزية - سياسية كبيرة، لأنها تظهر نجاح أطراف محور المقاومة في تجديد التواصل الجغرافي فيما بينها في سياق تصاعد المواجهة مع الولايات المتحدة وإسرائيل اللتين تجهدان للحؤول دون ذلك.

يكتسب في ضوء هذه المعطيات توسيع دائرة الاعتداءات الإسرائيلية، التي شملت العراق في الأسابيع الأخيرة معنىً مختلفاً عن ذلك الذي راج في الكثير من التحليلات. فالغارات، بحسب تلك التحليلات، «أحرجت» واشنطن أمام بعض «حلفائها» العراقيين الذين باتوا بدورهم في وضع صعب في مواجهة قوات «الحشد الشعبي» المستهدفة. رأت القراءات نفسها أيضاً أن الهجمات الإسرائيلية قد تُعرّض حياة جنود الولايات المتحدة ومصالحها في العراق للخطر، لأن قوات «الحشد»، على لسان أحد أهم قادتها أبو مهدي المهندس اتهمها بالمسؤولية عنها.

ما اتضح بعد قرار تأجيل فتح معبر القائم، أننا أمام تقسيم أدوار أميركي - إسرائيلي بكلّ ما للكلمة من معنى. الولايات المتحدة تستخدم العصا الغليظة الإسرائيلية لتحقيق أهدافها الحالية، المتطابقة تماماً مع أهداف إسرائيل، والمرتبطة مباشرة بصراعهما مع إيران ومحور المقاومة، وفي مقدمتها قطع التواصل الجغرافي قدر المستطاع بين أطراف هذا المحور، من دون أن تتحمل مباشرة مسؤولية ذلك. إسرائيل تقوم بالمهمات القذرة، كما قال ستيفن كوك في مقال نشره على موقع «فورين بوليسي»، والولايات المتحدة تتكفّل استكمال نتائجها من طريق تصعيد ضغوطها السياسية على قسم من القيادات العراقية النافذة، الأقرب إليها أو تلك الحريصة على مراعاتها وعدم الصدام معها، على رغم العلاقات التاريخية التي تجمعها بإيران.

تفاصيل أخرى تعزّز صحة القراءة التي تعتبر أننا أمام تقسيم أدوار أميركي - إسرائيلي هي تلك الخاصة بالقواعد التي انطلقت منها المسيّرات التي استهدفت مواقع في العراق وفي سوريا أخيراً. معلومات من مصادر مختلفة ولكن متقاطعة تكشف أن بعض العمليات المشار إليها نفّذتها مسيّرات انطلقت من القواعد الأميركية في شرقيّ الفرات. هذه القواعد تحت السيطرة الأميركية الكاملة، ولا يملك أي طرف القدرة على معرفة هوية الطائرات المسيّرة أو غير المسيّرة التي تحطّ فيها أو تنطلق منها. لكن تسرّب المعلومات وانتشارها حول العمليات الأخيرة، أي استخدام الولايات المتحدة لقواعدها في المناطق الخاضعة لـ«قسد»، ستترتب عليه تبعات بالنسبة إلى الأخيرة، لأنها أصبحت متورطة مباشرة عبر سماحها بذلك وعدم اعتراضها عليه. المواجهة في الإقليم بين محور المقاومة والتحالف الأميركي - الإسرائيلي إلى احتدام، ولن يكون بمقدور من يتبع سياسة السعي لإرضاء الطرفين، وهو حال بعض القيادات العراقية، أن يستمر فيها.

 

 

صفحتنا على الفيس بوك

كاريكاتير

أعلى الصفحة