المرصاد نت - متابعات

تُلقي زيارة الرئيس الأميركي دونالد ترامب للندن غداً بظلالها على الانتخابات البريطانية التي ستُجرى في 12 كانون الأول / ديسمبر. يتوجّه هذا الأخير إلى العاصمة البريطانية للمشاركة في قمةTrumb2019.12.2 «حلف شمال الأطلسي» إلا أن ما قد يرتكبه من تصريحات أو تصرّفات يثير قلق وهواجس الكثير من المسؤولين البريطانيين خصوصاً هؤلاء الذين ينضوون تحت جناح اليمين وتحديداً داخل الحزب «المحافظ». وتأتي هذه الزيارة في الوقت الذي تُطرح فيه تساؤلات كثيرة عن النفوذ الأميركي في بريطانيا مع ما نشرته صحيفة «ذا غارديان» أخيراً عن تمويل أميركي لمعاهد الدراسات اليمينية البريطانية.

في زياراته السابقة استُقبل ترامب بتظاهرات ضخمة وبلعبة كبيرة تجسّده كطفل يرتدي حفاضاً. مردّ كل ذلك إلى خطاباته وتصريحاته التي تدخل ضمن إطار التدخل الفادح في الشأن البريطاني إن كان خلال عهد رئيسة الحكومة السابقة تيريزا ماي التي طالما انتقدها أو خلال عهد خليفتها بوريس جونسون الذي لا يتوانى ترامب عن استغلال كل فرصة للإعراب عن دعمه له ولخطته القاضية بخروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي وصولاً إلى الإعراب الدائم عن حماسته لعقد اتفاق تجارة ثنائي مع بريطانيا في مرحلة ما بعد «بريكست».

بناءً عليه وفي الوقت الذي يستعد فيه رئيس الحكومة بوريس جونسون لما سيحصل يستعد فريق زعيم حزب «العمّال» المعارض جيريمي كوربن للانقضاض لا سيما أن اتفاق التجارة المذكور محطّ انتقاد عدد كبير من المراقبين والخبراء البريطانيين. وقد كشف كوربن في مؤتمر صحافي عقده الأسبوع الماضي عن «وثائق سرية» تتمحور حوله مشيراً إلى أنها تثبت أن «خدمة الصحة الوطنية» ستكون معروضة للبيع في اتفاق التجارة المستقبلي مع إدارة ترامب. «نحن نتحدث هنا عن محادثات سرية بشأن اتفاق مع دونالد ترامب بعد بريكست. اتفاق سيرسم مستقبل بلدنا» قال كوربن مشيراً إلى أن «خدمة الصحة الوطنية قد تكون ثمن الاتفاق التجاري الأميركي ــ البريطاني». وفي تجمّعاته الانتخابية أكد كوربن أن ترامب شكّل حلفاً أسود مع جونسون من بين أهدافه العمل على بيع النظام الصحي البريطاني ــ الذي يفضّله البريطانيون ــ للشركات الأميركية.

مخاوف كوربن المشروعة تظهر لدى العديد من البريطانيين لا سيما أن ترامب لم يخفِ رغبته في اتفاق مشابه حتى إنه لم يخفِ تفضيله لجونسون لقيادة الحكومة المستقبلية. ويرتبط القلق البريطاني من ترامب بأن هذا الأخير تخطّى خطوطاً حمراً تقليدية. ففي أواخر تشرين الأول / أكتوبر أجرى اتصالاً ببرنامج إذاعي يستضيفه زعيم حزب «بريكست» نايجل فاراج انتقد فيه كوربن. «إنه سيّئ جداً بالنسبة إلى بلدكم سيّئ جداً. سيأخذكم إلى طريق سيّئ» قال ترامب عن كوربن مضيفاً: «سيأخذكم إلى أماكن سيئة». فوجئ المسؤولون البريطانيون بهذا التدخّل العلني في الانتخابات من قبل حليف وثيق. ولكن كوربن احتضن المعركة مغرّداً ضد ترامب في سعي منه إلى استخدام عدم شعبيته بين البريطانيين كسلاح لمصلحة أهدافه الأمر ذاته الذي يتحيّن للقيام به حالياً مع حضور ترامب إلى بريطانيا.

أما بالنسبة إلى جونسون فإن ترامب يمثّل مصدر قلق من نوع آخر في وقت يحاول فيه رئيس الحكومة البريطانية الحفاظ على أكبر عدد من الناخبين. وقد وجّه هذا الأخير ضربة استباقية في محاولة منه لإقناع ترامب بعدم التدخل بالشؤون المحلية البريطانية. «ما لا نقوم به تقليدياً كحلفاء وأصدقاء محبّين ما لا نقوم به تقليدياً هو تدخل بعضنا في الحملات الانتخابية للبعض الآخر» قال جونسون لإذاعة «إل بي سي» البريطانية. ولكنّ ظِلّ ترامب يطغى بقوة على الانتخابات إذ تشير صحيفة «ذي واشنطن بوست» إلى أنه مكروه جداً في بريطانيا. وتلفت إلى أن استطلاعات الرأي تُظهر سلبية عميقة تجاهه، حيث يسجّل رقماً أسوأ من الرئيس الروسي فلاديمير بوتين. وفي استطلاع أخير أجراه موقع «يوغوف»، سئل الناخبون عمّا إذا كان دعم ترامب لأحد المرشحين في الانتخابات البريطانية سيساعد المرشح أم لا، ليجيب 10 في المئة فقط بأنه سيكون عنصراً مساعداً بينما رأى أكثر من النصف أنه سيكون مؤذياً.

ولكن المشكلة الأميركية بالنسبة إلى اليمين البريطاني ليست محصورة بترامب فمع اقتراب موعد الانتخابات البريطانية المبكرة في 12 كانون الأول / ديسمبر نشرت صحيفة «ذا غارديان» قبل أيام قليلة، تقريراً تحدثت فيه عن التمويل الأميركي لمعاهد دراسات ومراكز أبحاث بريطانية يمينية، الهدف من ورائه الترويج لخطط أميركية لما بعد «بريكست». وكشفت الصحيفة أنه جرى تحديد هوية 11 مموّلاً أميركياً للمجموعات اليمينية البريطانية خلال السنوات الخمس الأخيرة، متسائلة عن مدى تأثير نفوذ التمويل الأجنبي على السياسات البريطانية. بحسب الصحيفة، فقد جرى منح هذه التبرّعات لأربعة معاهد فكرية بريطانية كان صوتها مسموعاً في الجدال المتعلّق بـ«بريكست» وبرسم مستقبل التجارة البريطانية مع الاتحاد الأوروبي. كذلك موّل هؤلاء المانحون مجموعات أخرى من أجل الترويج للسوق الحرة بضرائب منخفضة، وخصخصة الخدمات العامة.

في هذا السياق تشير الانتقادات إلى أن المجموعات البريطانية، ومن ضمنها «معهد الشؤون الاقتصادية»، ومعهد «تبادل السياسات» Policy Exchange ومعهد «آدم سميث» هي من بين المتلقّين لهذه التبرّعات. وبينما تلفت إلى أن المجموعات البريطانية جمعت 6.8 ملايين دولار، في السنوات الخمس الماضية، من المانحين الأميركيين إلا أنها تؤكد أن هوية العديد من المانحين تبقى غير معروفة خصوصاً أنه لا يمكن تعقّب التبرّعات في السجلات العامة. أما التبرّعات الأكبر التي وصلت إلى 3.3 ملايين دولار فقد جرى تقديمها إلى ثلاث مجموعات بريطانية عبر مؤسسات تموّلها ثروة الملياردير الأميركي / البريطاني المحافظ جون تامبلتون الذي توفي عام 2008. كذلك قدمت مؤسسة تامبلتون 497 ألف دولار إلى معهد الشؤون الاقتصادية بين عامي 2014 و2017م بهدف القيام بأبحاث عن بديل لـ«خدمة الصحة الوطنية» بشأن برامج الشيخوخة هذا فضلاً عن القيام بأبحاث تتعلق بالأسواق الحرة.

الاتهامات تطاول جونسون... استغلال اعتداء لندن انتخابياً!
تعهّد رئيس الوزراء البريطاني بوريس جونسون بفرض عقوبات وإلغاء نظام الإفراج المبكر عن المدانين بالإرهاب وهو الأمر الذي أدى إلى اتهامه بالاستغلال السياسي للاعتداء الذي نفّذه أخيراً شخص خضع لإطلاق سراح مشروط في لندن. وبعد يومين على عملية الطعن التي أسفرت عن مقتل شخصين الجمعة عند جسر لندن اتهم جونسون حزب «العمّال» المعارض بأنّه كان خلف إصدار قانون سمح للمعتدي (عثمان خان) بالتمتع بإطلاق سراح مشروط.

وأعلن الزعيم «المحافظ» في مقالة نشرها في صحيفة «مايل أون صنداي» البريطانية أنّ «على هذا التنظيم (القضائي) أن ينتهي ـــ أكرر عليه أن ينتهي» وذلك في خضم حملة انتخابية تحضيراً للاقتراع التشريعي المرتقب في 12 كانون الأول/ديسمبر. وتابع جونسون القول: «إذا كنتم مدانين في جريمة إرهابية خطيرة يجب استصدار حكم إلزامي بالسجن لـ14 عاماً على الأقل ويجب ألا يخرج البعض أبداً». وأضاف أنّ «الإدانة لكل جرائم الإرهاب والتطرف (...) على هؤلاء المجرمين تمضية كل يوم من عقوبتهم، من دون استثناء».

كما واعتبر رئيس الوزراء أنّ إجراءات مماثلة كان من شأنها تجنب وقوع الاعتداء الذي تبناه تنظيم الدولة الإسلامية (داعش) بالقول: «أعطوني غالبية (برلمانية)، فأحميكم من الإرهاب».
وكان عثمان خان قد خرج من السجن في عام 2018م بعد ست سنوات من إدانته بجرائم على علاقة بالإرهاب. وحُكم على عثمان خان بالسجن لمدة غير محددة عام 2012م مع ثماني سنوات كحدّ أدنى. وأصبحت عقوبته السجن 16 عاماً في الاستئناف عام 2013 لانتمائه إلى مجموعة أرادت تفجير أهداف في لندن. والجمعة بدأ هجومه في مركز فيشمونغرز حيث كان يشارك في محاضرة لتأهيل السجناء نظمتها جامعة «كامبردج» في مبنى يقع على مسافة قريبة جداً من جسر لندن في وسط العاصمة البريطانية حيث أدى اعتداء آخر تبناه «داعش» عام 2017 إلى مقتل ثمانية أشخاص.

وأعلن جونسون عبر هيئة الإذاعة البريطانية «بي بي سي» أنّ ثمة «نحو 74» آخرين مدانين بالإرهاب استفادوا من إفراج مبكر على غرار عثمان خان وباتوا يخضعون منذ وقوع الاعتداء لـ«مراقبة مناسبة». لكن سرعان ما أثارت تصريحات جونسون انتقادات له لناحية أنّه يريد استخدام المأساة والإتيان بمقترحات غير مدرجة ضمن برنامج حزب «المحافظين» الذي أعلنه في نهاية تشرين الثاني/نوفمبر.

وتلقّى جونسون انتقاداً من والد الضحية جاك مريت الذي لم تتأكد وفاته رسمياً. ومريت (25 عاماً) عضو في معهد «كامبردج» لعلوم الجريمة وكان منسقاً لبرنامج «التعلّم سوياً» الهادف إلى التقريب بين العالم الأكاديمي وعالم السجون. وكانت محاضرة الجمعة تحت رعاية هذا البرنامج. وقال ديفيد مريت في تغريدة على موقع «تويتر»: «لسنا بحاجة إلى ردود فعل غير محسوبة»، مشيراً إلى «تدمير دائرة مراقبة السلوك، المفترض بها أن تراقب السجناء بعد الإفراج عنهم، كما دوائر إعادة التأهيل». ومنذ وصول المحافظين إلى رئاسة الوزراء عام 2010م تعرضت هذه الدوائر لتخفيضات كبيرة على صعيد الموازنة «ونحن بالتالي أقل أمناً»، وفق مريت.

من جانبه قال نائب رئيس حزب «الليبراليين ـــ الديمقراطيين» إيد دايفي في حديث عبر «سكاي نيوز» إنّه «في خضم الانتخابات يجب عدم الاستفادة سياسياً من مأساة». إلى ذلك رأى وزير الخارجية دومينيك راب في مسعى للدفاع عن «المحافظين» أنّه «لا يمكن لأحد الاعتقاد بأنّ اتخاذ الاجراءت المناسبة للحماية... سيكون بأي شكل من الأشكال» بمثابة توظيف سياسي للأحداث.

صفحتنا على الفيس بوك

كاريكاتير

أعلى الصفحة