المرصاد نت - متابعات

لا يمكن تحميل نظام الرئيس الراحل، محمد حسني مبارك، بمفرده، المسؤولية عن ترك إثيوبيا تبني «سدّ النهضة» بالطريقة التي تلائمها، إذ أن المشروع الذي بدأ تنفيذه عملياً بعد «ثورة يناير»ALnahthaa2020.3.7 في عام 2011 لم يكن ليستمرّ بهذه الصورة لو استطاع خلفاء مبارك، سواء الراحل (الإسلامي) محمد مرسي أو الآتي من الجيش عبد الفتاح السيسي (فضلاً عن «المجلس العسكري» والرئيس الموقّت عدلي منصور) التصدّي بحزم للواجب لكن كلّ واحد منهم فضّل إرجاء الحسم في الوقت الذي حرصوا فيه جميعاً على الظهور بمظهر المنتصر أمام الرأي العام حتى في أصعب اللحظات التي كانت تخسر فيها مصر.

بعيداً من النقاش حول المسؤولية التي يلقيها صاحب العهد الحالي أي السيسي على «ثورة يناير» لا شكّ في أن ظروفاً أخرى، منها تصاعد الخلافات بين مصر والسودان من جهة وبقية دول حوض النيل من جهة أخرى في أواخر 2010، شَكَّلت فرصة ممتازة لإثيوبيا. لكن مع ذلك كانت أمام «المحروسة» فرصة للحلّ مرتين: الأولى في عهد مرسي في عام 2012 عندما تَعثّر المشروع وهو لا يزال في بدايته والثانية في عهد «الجنرال» الذي وصل إلى الحكم في عام 2014م فيما كانت الدولة الإثيوبية تعاني مشكلات داخلية أوقفت العمل في السدّ، وأبقت معدلات الإنجاز عند 20% فقط تقريباً وربما أقلّ، ليُؤجَّل بدء تخزين المياه في بحيرته من صيف 2015 إلى صيف 2020 المقبل!

بالنتيجة لم تستفد الدولة المصرية عبر أنظمتها المتعاقبة من الظروف التي أجّلت بناء السدّ أو تَسبّبت في تأخيره، في الوقت الذي كان فيه المفاوض الإثيوبي ينجح في تسكيت المصريين بالحديث عن تجنّب الإضرار بمصالح مصر المائية. لكن السيسي تحديداً على مدار سِتّ سنوات في الحكم، تعامل مع القضية باستهانة واستخفاف، بل انصاع للإرادة الإثيوبية كثيراً، ليكتفي - في مشهد كاريكاتوري - بِقَسَمِ رئيس الوزراء الإثيوبي آبي أحمد ألّا يضرّ بمصر ومصالحها المائية وذلك أمام عدسات المصوّرين في قصر الاتحادية صيف 2018م حيث لقّنه السيسي القَسَم بالعربية التي لا يتكلّمها أحمد! في هذا الوقت تَحوّل الملف في السنوات الأولى من حكم السيسي إلى مادة تنازع بين رجالاته وأجهزته المتصارعة وخصوصاً منها «المخابرات العامة» و«الحربية» قبل أن يُحسم الملف ليكون بيد «العامة» تحت إدارة اللواء عباس كامل.

مذّاك، لم يطرأ أيّ جديد بل طال أمد المفاوضات إلى أن ابتكرت المخابرات آلية العمل التُّساعي التي تضمّ مديري المخابرات ووزراء الريّ والخارجية في مصر وإثيوبيا والسودان قبل أن ينتهي الأمر بإقصاء كامل من المفاوضات الأخيرة التي جرت بوساطة أميركية في واشنطن. وطبقاً لمصادر مطّلعة يتحمّل وزير المخابرات الجزء الأكبر من الأخطاء في إدارة المفاوضات؛ فالرجل الذي انفرد بالملف، وأبعد حتى مستشارة الرئيس الوزيرة السابقة فايزة أبو النجار من المشهد لم يستطع أن يقدّم أيّ حلّ عملي للوصول إلى صيغة توافقية.

لاحقاً جاءت إطاحة نظام عمر البشير لتُغيّر المعادلة؛ إذ برز تقارب غير مسبوق على خطّ الدولتين بين النظام السوداني الانتقالي وإثيوبيا، في وقت استمرّت فيه الخرطوم في إغداق دعم لفظي على مصر، التي أدركت متأخّرة أنها وحيدة في المواجهة. وإذا كانت ثمة إيجابية يمكن تسجيلها للمخابرات فهي عملها سابقاً على إقصاء باقي دول حوض النيل، التي لديها هي الأخرى تطلّعات إلى تنفيذ مشروعات على مياه النهر، من دائرة الصدام، إذ أن ذلك كَفِل إلى حدّ ما تحسين موقف القاهرة التي عرضت مساندة تنزانيا في بناء سدّ بعيداً عن النيل، فيما جرى تعزيز التعاون وتبادل الزيارات مع بقية دول الحوض، إلى جانب توطيد العلاقات مع جنوب السودان.

مع ذلك، وعلى رغم عدم تشكّل تكتّل أفريقي قوي ضدّ مصر، استطاعت الدولة الإثيوبية فرض الأمر الواقع، بعدما نجحت في تمرير شروطها كافة بداية من اختيار موقع السدّ الذي تقول القاهرة إنه غير مناسب جيولوجياً وبحاجة إلى مزيد من الدراسات، وصولاً إلى التنفيذ، بل وإعلان بدء تخزين المياه داخل البحيرة الخاصة به اعتباراً من الصيف المقبل، لتكون تلك نتيجة تسع سنوات من التفاوض لم ينجح فيها المصريون في تحقيق أيّ مكاسب. وعلى عكس حديث وزير الخارجية، سامح شكري، عن أن الذهاب إلى التفاوض لا يعني حصول أيّ طرف على كلّ ما يريده، فإن القاهرة ذهبت من دون أن تحصل على أيّ شيء أصلاً؛ فلا موقع السدّ تَغيّر، ولا الدراسات الجيولوجية التي طالبت بها تمّت وحتى آلية تخزين المياه التي جرى التفاوض عليها لم تُنفذ.

بإعلان أديس أبابا بدء تخزين المياه اعتباراً من الصيف المقبل تكون مصر إزاء مرحلة جديدة من سياسة فرض الأمر الواقع التي اعتمدتها إثيوبيا منذ البداية. وفيما لا يتجاوز ما يمكن أن تقبله أديس أبابا حالياً تخفيضَ الكميات التي سيجري تخزينها تَظهر الوساطة الأميركية الأمل الوحيد المتبقّي لمصر لإجبار إثيوبيا على تبديل موقفها علماً أن هذه الوساطة تبدو خادعة حتى للمصريين.

فوزير الخارجية الأميركي، مايك بومبيو كان على علم بأن الجانب الإثيوبي لن يوقّع الاتفاقية التي تمّت صياغتها. ومع أن بلاده تدعم الموقف المصري علناً إلا أنها لم تمارس أيّ ضغط على الإثيوبيين، بل أبدت تفهّماً لموقفهم، إلى حدّ أن الخارجية الإثيوبية ردّت على بيان وزير الخزانة الأميركي ستيفن منوتشين المكلّف إدارة الملف بطلبها تصحيح مصطلحات استخدمها (من قبيل «خيبة أمل») في وصف موقف الوفد الإثيوبي الذي لم يذهب في الموعد المحدّد للتوقيع على الاتفاقية الخاصة بتشغيل السدّ بالأحرف الأولى والتي وقّعت عليها مصر.

سنوات الفرص الضائعة
لم يكن إعلان بناء «سدّ النهضة» في نيسان/ أبريل 2011 سوى نتاج طبيعي لتفجّر الخلافات حول «الاتفاقية الإطارية لمبادرة حوض النيل»، وتوقيع عدد من دول المنابع بصورة منفردة على «اتفاقية عنتيبي» في أيار/ مايو 2010. وجاء التوقيع على الاتفاقية الأخيرة بعدما بلغت الخلافات ذروتها عام 2009 في مؤتمرَي كينشاسا والإسكندرية، وما تلاهما من انهيار للمفاوضات في مؤتمر شرم الشيخ عام 2010، لتنتهي بذلك ستّ سنوات من التفاوض بإعلان برلمانات كينيا وأوغندا وتنزانيا رفضها الاعتراف بـ«اتفاقية 1929» المُنظِّمة لتوزيع المياه. وعلى مدار أكثر من عقدين من حكم محمد حسني مبارك، كانت الهوة تتّسع بين مصر وبقية الدول الأفريقية، خاصة بعد محاولة اغتيال مبارك في العاصمة الإثيوبية أديس أبابا، والتي قيل إن المخابرات السودانية تورّطت فيها، ما أدى إلى عزلة مصرية عن القارة، حتى خلع مبارك من الحكم في عام 2012. مع ذلك، كانت هناك في عهد المخلوع محاولات للتعاون ارتبطت بـ«مبادرة حوض النيل» التي خرجت كشراكة إقليمية عام 1999 واستمرّت حتى عام 2010، من دون أن تجني مصر منها أيّ فائدة في ظلّ تجاهل السياسيين في القاهرة التعاون مع الدول الأفريقية التي زاد غضبها من الغرور والتعالي المصريَّين في التعامل مع القضايا الأفريقية عامة.

في المقابل وعلى مدار سنوات، سعى رئيس الوزراء الإثيوبي الراحل، ميلس زيناوي، إلى تقديم نفسه كحاكم يعمل على تحقيق مصلحة بلاده، ويرغب في إنهاء ما سمّاها «السيطرة المصرية على نهر النيل»، فبدأ مشروعه الأول بـ«سدّ تيكيزي» الذي وافقت مصر على إنشائه، ليعيد عقب ذلك مشروع «سدّ النهضة» إلى الواجهة بتحالفه مع دول المنبع، ثم يعلن المشروع في عام 2011 بعدما كانت تَغيّرت سعة السدّ وتضاعفت أكثر من أربع مرّات، باستغلال الانشغال المصري بالأوضاع الداخلية. صحيح أن استغلال الأنهار الدولية يجري وفقاً لأحكام القانون الدولي، لكن طبيعة علاقة مصر بدول حوض النيل أدّت إلى غياب اتفاقية جامعة تُنظّم حق استغلال النهر، خاصة في ظلّ إشكالات حول أولويات الانتفاع المنصف بمياه الأنهار الدولية. ومع أن هذا المبدأ يقتضي التزام الدول المشاطئة للنهر الدولي كافة بالتعاون لتحقيق أقصى استفادة، فإن احتياج إحدى الدول إلى حصة أكبر من التي كانت تحصل عليها لأسباب لها علاقة بالتنمية يقلب المعادلة.

ثمة عامل آخر عمّق المشكلة هو قِدَم الاتفاقات الناظمة التي يعود تاريخها إلى عام 1891، والتي تبعتها اتفاقات وبروتوكولات منها ما هو موقّع أصلاً بين الدول المستعمِرة (بريطانيا وإيطاليا)، أو بين المستعمَر والمستعمِر (بريطانيا وإثيوبيا). أما أبرز الاتفاقيات المباشرة بين الأطراف المعنيين فهي «اتفاقية 1993» الموقّعة بين أديس أبابا والقاهرة، والتي تَعهّد فيها كلّ من الطرفين الامتناع عن أيّ نشاط يؤدي إلى إلحاق الضرر بمصالح الطرف الآخر في ما يخصّ مياه النيل. ولا تزال مصر تتمسّك بأن المعاهدات المبرمة لا يمكن التحلّل منها، وفق ما تنصّ عليه المادة 11 من «اتفاقية فيينا» في شأن التوارث الدولي في مجال المعاهدات لعام 1978. وفي نصوص الاتفاقات الدولية، تعطي دول النيل الأولوية للحقوق التاريخية، وهو ما تحاول إثيوبيا الآن التملّص منه، مُتسلّحة بالحصانة التي اكتسبتها «اتفاقية عنتيبي» بإجماع دول الحوض، باستثناء مصر والسودان اللذين يتمسّكان بأحقيّتهما تاريخيّاً في استخدام مياه النيل بلا عوائق، وخصوصاً أن التصويت بالغالبية على أيّ مشروعات يجري تنفيذها على مسار النهر سيجعل هذين البلدين، وهما دولتا المصبّ، في حالة ضعف.
وعلى رغم محاججة إثيوبيا الدائمة بأن الغرض من بناء السدّ استغلاله في الأغراض التنموية، إلا أن رفضها القاطع الإقرار بحصة مصر التاريخية في النيل، وإصرارها على تنفيذ السدّ بمواصفاته الحالية من دون تعديل، يعكسان تعنّتاً كبيراً على رغم التنازلات المصرية. مع ذلك، لا يشفع الموقف الإثيوبي للقاهرة في حقيقة أنها أضاعت فرصاً كثيرة لحلّ الأزمة، سواء بتجاهلها موافقة دول النيل على «عنتيبي»، أو بإهمالها جميع التقارير الفنية عندما كان السدّ مجرّد فكرة في أواخر السبعينيات.

آبي أحمد... المناور الأكبر
على رغم أن رؤساء الحكومات الإثيوبية السابقين كان لهم دور في بناء «سدّ النهضة» وإيصاله إلى هذه المرحلة (ملء بحيرة السدّ وبدء التشغيل)، إلا أن رئيس الوزراء الحالي، آبي أحمد، يُعدّ الأكثر تأثيراً في هذا المشروع؛ كونه هو الذي أعطاه الدفعة الأكبر بعد وصوله إلى السلطة في آذار/ مارس 2018. وقد كانت للتحدّيات الداخلية التي واجهها أحمد، الذي جاء بأغلبية الائتلاف الحاكم، تأثيرها في الدفع به نحو سلوك هذا المسار، وخصوصاً لناحية تردّي الأوضاع الاقتصادية وما ولّدته من احتجاجات عنيفة في البلاد، فضلاً عن محاولة الانقلاب عليه والتي أسفرت عن مقتل رئيس الأركان.

سَرّع أحمد القادم من الحياة المدنية وتيرة تنفيذ السدّ بإسناد العمل إلى جهات جديدة. كما أنهى مشكلة نقص التمويل، وأبرم اتفاقات لبيع الكهرباء لدول الجوار تنتظر اليوم تشغيل «النهضة»، إلى جانب تعزيزه علاقات بلاده مع الولايات المتحدة (التي زارها أواخر تموز/ يوليو 2018 ساعياً في تظهير دوره كـ«وكيل أميركي» في القرن الأفريقي) ودول الخليج خدمة لمشروعه. هذا التقارب، مع السعودية والإمارات تحديداً، وفّر له الأدوات اللازمة لتحقيق ما يتطلّع إليه بدءاً من الاستثمارات المتعدّدة، وصولاً إلى الدعم المُعزّز لاتفاقية السلام الإثيوبي ــــ الإريتري.

يعتقد رئيس الوزراء الإثيوبي أن مفاتيح التأثير الأقوى في منطقة القرن ستكون بيده إذا ما تمكّن من الحصول على الدعم الأميركي والإسرائيلي، وهو ما سعى إليه بجدّ فعلاً. وعلى الرغم من أن الأضواء ليست مُسلّطة بدرجة كافية على العلاقات بين تل أبيب وأديس أبابا، إلا أن ثمة في الواقع آليات تعاون تستهدف حفظ مصالح الجانبين، وضمان «استغلال الفرص» في ما بينهما. والجدير ذكره، أيضاً، أن إثيوبيا تتمتّع بعلاقات جيدة مع أطراف إقليميين ودوليين متناقضين في ما بينهم، كما هي الحال في روابطها بالدوحة والرياض، وبواشنطن وموسكو.

الآن يدرك أحمد قوة موقف بلاده في مسألة السدّ، وأهمية استغلال ذلك في تعزيز رصيده داخلياً، وهو ما جعله يتحدّث عن قدرة أديس أبابا على التعامل مع أيّ تحرك عسكري يستهدفها، في تصريحات رأتها مصر عدائية. وجاءت تلك التهديدات بعدما حرص الحائز «جائزة نوبل للسلام»، منذ العام الماضي، على عدم الدخول في مفاوضات حاسمة من شأنها عرقلة إتمام مشروع السدّ، الأمر الذي جعله يعتذر عن عدم لقاء الرئيس المصري، عبد الفتاح السيسي، في القمة الأفريقية الأخيرة التي انعقدت في بلاده، مُولّداً بذلك حالة غضب لدى السيسي جعلته يكتفي بالمشاركة في القمة ليوم واحد فقط، سَلّم فيه رئاسة اتحاد بلاد القارة لنظيره الجنوب ــــ أفريقي.

تقرير : رمزي باشا - من ملف : أزمة «النهضة»: من مبارك إلى السيسي ... كلّهم مسؤولون - الأخبار

صفحتنا على الفيس بوك

كاريكاتير

أعلى الصفحة