المرصاد-متابعاتندوة الحج

 

تقديم: زينب فرحات

 

،،يعود استخدام آل سعود للحرمين الشريفين كورقة ضغط سياسية إلى بداية تأسيس الدولة السعودية على يد العاهل السعودي عبد العزيز آل سعود، فبعدما كان الأخير أميراً على نجد أخذ نفوذه يتمدّد إلى أن تمكّن من قضم الحجاز والسيطرة على مكة والمدينة وبالتالي الإستئثار بإدارة الحج. ومنذ لك الحين تحوّل الحج إلى آداة للإنتقام السياسي من كل المخالفين لرؤية آل سعود وأيضاً بات منصة خاصة لتداول تعاليم وعقائد الوهابية حصراً، عدا عن كونه شكّل مصدراً مالياً ضخماً لا يُعرف أين وكيف تُصرف إيراداته،،

ومن هذا المنطلق، عقدت “مرآة الجزيرة” صباح الثلاثاء 23 يوليو/ تموز 2020 ندوة بحضور عضو رابطة علماء اليمن الباحث التاريخي ومؤرخ مجزرة تنومة الدكتور حمود الأهنومي من العاصمة اليمنية صنعاء، عضو الهيئة القيادية لحركة خلاص المعارضة في الجزيرة العربية الدكتور حمزة الحسن من العاصمة البريطانية، الباحث والكاتب الدكتور محمد الشافعي رئيس تحرير مجلة الهلال المصرية من جمهورية مصر العربية، ومن الجمهورية الإسلامية الإيرانية السفير الإيراني الأسبق لدى منظمة التعاون الإسلامي الدكتور صباح زنكنة. وقد خلصت الندوة إلى عدد من النتائج والتوصيات، كما اشتملت على أربعة أوراق للمشاركين.

 الورقة الأولى تقديم الدكتور حمود الأهنومي تحدث فيها عن خلفيات مجزرة تنومة معتبراً أن السبب الرئيسي لهذه المجزرة كان سياسياً بإمتياز ومفاده أن آل سعود أرادوا ضرب نظام صنعاء الذي كان مستقلاً يرفض الخضوع لبريطانيا. بالإضافة إلى حضور العقيدة الوهابية لدى المقاتلين في صفوف الجيش السعودي وهم تنظيم إرهابي عرف بإسم “من أطاع الله”، فجرى تحريضهم على الحجاج اليمنيين “المشركين” لقتلهم عند وصولهم إلى تنومة. الأهنومي رأى أن ضرب رسالة الحج واستغلاله يأتي في سياق الأهداف الإستعمارية مؤكداً أن تسييس الحج يتلاءم مع السياسات البريطانية سابقاً والأمريكية والصهيونية لاحقأً. ولفت إلى أن كل من يشهر موقف عملي على أرض الميدان في مواجهة أمريكا وحلفائها وعلى رأسهم السعودية لا يستطيع أن يحج. كما ثمة الكثير من الناس الذين اعتقلوا عندما وصلوا إلى مطار السعودية ومنهم منعوا من الحج. وجد المؤرخ اليمني أن الوهابيين يطرحون أنفسهم على أنهم الفئة الوحيدة التي تمثّل الدين الإسلامي، وأنهم الوكيل الحصري للإسلام. ولهذا ارتكبوا المذابح بحق أهالي السنة في الطائف ومكة وجدة والمدينة ومناطق عديدة وحتى ارتكبوا مجازر في قبائل بنجد كانت تدين بنفس المذهب لكن كان لهم بعض التصورات المخالفة للوهابية. وانطلاقاً من ذلك فسّر الباحث سبب منع الوهابية إتاحة الفرصة لأي إمام من المذاهب الأخرى ليقوم بحركة علمية في الحج وذلك كي يكون صوت الوهابية هو المسموع حصراً.

الورقة الثانية قدمها الدكتور حمزة الحسن أكد الدكتور الجسن عبر ورقته بأن آل سعود احتلوا أماكن مقدسة وشرعنوا أنفسهم معتبرين أن نسختهم في الدين هي النسخة الصحيحة. كما تطرّق إلى فشل السلطات السعودية بإدارة مرافق الحج إذ لا يقدمون خدمات تليق بالحجيج ولا يحرصون على سلامتهم ولذا نشهد في كل عام سقوط ضحايا من مختلف الدول. وأكد أن آل سعود يستخدمون الحج لتمرير سياساتهم من خلال الإدعاء بحماية الحرمين الشريفين وتصفية المعارضين والمخالفين لسياسات الرياض. تحدّث الباحث السياسي أيضاً عن سوء إدارة وتنظيم آل سعود للحج، ما يجعلهم غير مكترثين بأرواح المسلمين والحجاج الذين يُقتلون نتيجة الإهمال، كالحادثة التي حصلت عام 1975 حين احترقت عشرات آلاف الخيم وقتل آلاف الحجيج، لكن مع ذلك بحسب الحسن يغطي النظام على جرائمه دون أن يتمكن أحد من أن ينتقده على سوء إدارته للحج. وأورد الحسن أن النظام السعودي لا يتورّع عن التفريط بالمسجد الأقصى متسائلاً كيف له أن لا يفرّط في بقية المقدسات الإسلامية؟ خاصة بعدما اخترق خصوصية الأماكن المقدسة بإنشاء البارات وحفلات الرقص الماجنة، وصور الإعلانات الفاضحة. إلى ذلك، تطرّق الحسن إلى هدر إيرادات الحج وقال أن السلطات السعودية تزعم أنها تصرف أموال الحج على الحجيج، لكن حقيقة الأمر ثمّة نهب غير محدود لهذه الإيرادات موضحاً أن آل سعود يأخذون ضرائب وأثمان الفيز دون أن تظهر أقل الخدمات اللائقة للحجيج إذ لا يوجد خيمة مجانية يجلس عليها الحجاج في منى، ولا يوجد شبكات صرف صحية جيدة، ولا يتم تأمين مياه الشرب، عدا عن الفوضى العارمة وكثرة الأوساخ.

الورقة الثالثة تناول الدكتور محمد الشافعي ” تناول فيها أبرز ملامح انعكاسات العلاقات السعودية المصرية على الحج وهي حادثة المحمل المصري“. في البداية أوضح أن كسوة الكعبة كانت تخرج كل عام من مصر حتى تصاعد الخلاف بين “السعودية” وجمال عبد الناصر. والكسوة عبارة عن مئات المحامل التي ترفق بزفة متجهةً إلى مكة دأبت مصر على إرسالها منذ زمن طويل بالإضافة إلى إرسال الأطباء والمهندسين والمدرسين الذين كانوا يتقاضون رواتبهم من الحكومة المصرية. وفي عام 1926 نصب تنظيم “من أطاع الله” الوهابي كميناً للقافلة المصرية فأطلقوا النار عليها مخلفين عشرات الشهداء بذريعة تدنيس الأراضي المقدسة بالآلات الموسيقية التي كانت ترافق المحمل. ورأى المؤرخ المصري أنه من الضروري أن يتحول الحج إلى مركز لمناقشة قضايا الأمة الإسلامية مع الحفاظ على خصوصيته الدينية، خاصة أنه هناك الكثير من القادة المسلمين على كافة مستوياتهم يجتمعون كل عام في الحج لذا من الممكن لو وافق آل سعود أن يتم على هامش الحج اجتماع لهؤلاء القادة لمناقشة أمور العالم العربي والإسلامي بحسب ما يرى الباحث. كما ناشد الشافعي بتدويل الحج مشدداً على ضرورة السماح لجميع الناس بالحج فحتى لو كانت الأرض خاضعة لسيطرة السلطات السعودية لكنها تخص جميع المسلمين وعلينا بحسب قوله أن نوازن بين حفظ سيادة النظام السعودي على أرضه وفي نفس الوقت اتساع رؤيته لإحتواء جميع الحجيج حتى الذين يختلف معهم سياسياً لأن الحج ليس مكاناً لتصفية الحسابات السياسية إنما للوحدة الإسلامية.

الورقة الرابعة قدمها الدكتور صباح زنكنة عرض فيها ملف شهداء وضحايا حادثة منى التي اغتيل فيها السفير الإيراني في لبنان د. غضنفر ركن أبادي وقد راح ضحيتها قرابة الـ1500 حاج أغلبهم من الإيرانيين لافتاً إلى أنه ثمة إصرار لدى السلطات السعودية على أن لا يتم الوصول إلى نتيجة. واعتبر زنكنة أن استشهاد وسقوط ضحايا بهذا العدد الكبير دليل على أن “السعودية” فاقدة للكفاءة اللازمة لإدارة مراسم مهمة وكبرى كإدارة مراسم الحج. الباحث الإيراني تحدث أيضاً عن تدمير النظام السعودي للتراث الإسلامي، مبيناً أنه جرى تدمير الآثار التاريخية للإسلام والصحابة، بما في ذلك المراقد الشريفة والمواقع التي حصلت فيها معارك وحصار للمسلمين. وأشار إلى أنه يجري حالياً العمل بكل جد وجهد للتركيز على الآثار التي تركها ملوك العائلة بدلاً من العودة إلى آثار الإسلام الذي غيّر العالم، وتابع، فبدلاً من بناء المعالم وترميم الآثار الإسلامي هم يحاولون التركيز على تراث العائلة الحاكمة وكأنهم يمسحون بأيديهم التراث الإسلامي من الوجود. بالإضافة إلى ذلك، لا توجد أدنى محاولة لتقريب أتباع المذاهب الإسلامية في المراسم التي تقيمها الرياض لا سيما على مستوى رابطة العالم الإسلامي التي تعد دائرة من دوائر وزارة الأوقاف والحج ولا تمثل علماء العالم الإسلامي بأي شكل من الأشكال أو الجهات الأخرى التي تقوم بالتبليغ في مواسم الحج والعمرة إنما تمثل جميعها جزء من سياسة إفراغ القرآن الكريم من محتواه الأصلي واستغلال المظاهر لتمرير السياسات الخاصة التي تتنافى مع قيم الإسلام، وفق زنكنة.

خلصت الندوة إلى عدد من النتائج، أبرزها: أ

ولاً: تبيّن أن هدف “السعودية” الرئيسي هو ضرب رسالة الحج واستغلاله في ما يخدم الإستعمار البريطاني سابقاً والأمريكي في الوقت الحالي. وكان ذلك من خلال تفريغ الحج من محتوياته الرسالية ليتماهى مع مصالح المستعمرين.

ثانياً: يتعمد آل سعود هدم التراث الإسلامي من منطلق الرؤية الوهابية التي تكفر جميع مقدسات المسلمين وشعائرهم، بما في ذلك تدمير بيوت الصحابة ومراقد آل البيت عليهم السلام ومحاربة كافة أشكال العبادات والشعائر الدينية التي يمارسها المسلمين في الحج.

ثالثاً: تحرص سلطات الرياض على منع إحياء أي قضية جامعة تعنى بالمسلمين أثناء الحج كي لا يتحقق مشروع الوحدة الذي يخشاه آل سعود وفي مقدمة هذه القضايا هي القضية الفلسطينية التي يمنع بشدة ذكر كل ما يتعلق بها أثناء الحج.

رابعاً: لا يتوانى آل سعود عن ارتكاب المجازر والجرائم بحق رعايا أي دولة إسلامية يختلفون معها سياسياً بما في ذلك، أو حرمانهم من الحج. كما أنه يتم استغلال الحج لإغتيال شخصيات دبلوماسية أو معارضين للنظام السعودي.

خامساً: السلطات السعودية فشلت فشلاً ذريعاً في إدارة الحج لا سيما على مستوى حمايته وتنظيمه وخدمة الحجيج. إذ لا يكاد يمر عام إلا وتحصل جريمة أو فاجعة في الحج

سادساً: آل سعود ينهبون إيرادات الحج فبالرغم من الأموال الطائلة التي يدفعها المسلمين للحج لا تقدم لهم أي خدمات لائقة بما في ذلك توفير النضافة، وتأمين خيم وشبكات صرف صحي ومياه صالحة للشرب بالرغم من الأموال الطائلة التي يدفعها المسلمين.

سابعاً: يستثمر آل سعود في ذريعة حماية الحرمين الشريفين لتبرير جرائمهم في اليمن بالزعم أن أنصارالله قصفوا مكة المكرمة وذلك في محاولة تضليل الرأي العام الإسلامي وجلب استعطاف المسلمين.

ثامناً: تمنع سلطات الرياض الوهابية حضور كافة المذاهب الإسلامية الأخرى في الحج، حتى يبقى صوتها هو الوحيد لبث الشحن الطائفية وتوجيه الناس كما يحلوا لهم ووفق ما يتلاءم مع رؤية المستعمرين.

تاسعاً: سلطات الرياض تنفرد بإدارة الحج وأبرز دليل على ذلك هو اتخاذ قرار تعطيل الحج لهذا العام بشكل منفرد دون مشاورة الدول الإسلامية الأخرى، في الوقت الذي لا تزال فيه المطارات والمراقص والملاهي الليلية مفتوحة بشكل طبيعي.

توصيات: من الضروري أن يكون الحج مركزاً جامعاً لمناقشة قضايا الأمة الإسلامية طالما أن مجلس التعاون الإسلامي وجامعة الدول العربية فشلوا في الحفاظ إيصال أصوات المسلمين وتأمين حقوقهم. يجب إعطاء القضية الفلسطينية حقها في الحج كونه يعد أكبر تجمع للمسلمين سنوياً بمختلف انتماءاتهم ومذاهبهم، وبالتالي تشكل فلسطين عامل وحدة شديد الأهمية لمقارعة الإحتلال. مطلب تدويل الحج بات ضرورياً اليوم أكثر من أي وقت مضى نظراً لسوء إدارة آل سعود للمشاعر المقدسة لا سيما على مستوى تأمين الخدمات والتنظيم الداخلي بالإضافة لتوظيفه في تحقيق السياسات والمصالح السعودية وهدر إيرادات الحج السنوية على ملذات الأمراء. بات لزاماً على المسلمين سواء على مستوى القيادات السياسية والأحزاب والجمعيات والأفراد التحرك لتشكيل لوبي ضاغط على آل سعود من أجل استرجاع الحرمين الشريفين لضمان ممارسة حقهم في الحج وإحياء التراث الإسلامي المدمر.

 

 

أعلى الصفحة