المرصاد نت

هل بدأت الحرب فعلًا بين المقاومة و"إسرائيل" أم هي معركة بين الحروب كما كان يحصل منذ الرابع عشر من آب من العام 2006م الى مساء الرابع والعشرين من آب 2019 م.Hazballah29019.8.26

سارت الأمور في السنوات السابقة ولا سيما بعد اندلاع الحرب في سوريا على أنّ ساحة المعركة بين محور المقاومة وبين المحور الأميركي الإسرائيلي محصورة في الأراضي السورية، لما تتيحه بؤر التوتر من إمكانية العمل للفرق المتنازعة، من تظهير قدراتها وتحقيق أهدافها، من دون التوسّع في مساحة البؤرة المشتعلة، لتمتد نيرانها إلى أمكنة أخرى، قد لا تستطيع الأطراف ضبطها والحؤول دون تحويلها إلى حرب طاحنة تكون ساحتها أراضيها هذه وبلدانها..

لقد حاول الإسرائيليون دومًا أن يعلنوا عن وجودهم، وتقديم أنفسهم كذراع ضاربة، وأداة فاعلة تستطيع تحقيق ما لا يستطيعه الأميركيون وتنفيذه. وكانت إحدى وظائف هذا السلوك تقديم أوراق اعتماد للغرب ولواشنطن تفيد أنّ الدور الوظيفي للكيان الإسرائيلي ما زال فاعلًا ومؤثرًا وحاضرًا ولا سيما بعد ضمور هذا الدور في أعقاب حرب تموز في لبنان، وإخفاقها في تدمير المقاومة والتخلص من عبئها إضافة إلى إخفاق الجيش الإسرائيلي الواضح في حروب غزة الأربعة، والعجز عن تحقيق نصر واضح على المقاومة الفلسطينية. ما استدعى شكوكًا كبيرة في قدرة الجيش الإسرائيلي في حسم المعارك التي يخوضها..

لقد اتكأ الإسرائيليون في عملياتهم على الحشد على عاملين رئيسين: الأول هو الانقسام السياسي في العراق، حول وظيفة الحشد ودوره بعد القضاء على تنظيم داعش، إضافة الى الضغط الأميركي الهائل على الحكومة العراقية لتحييد الحشد في أي حرب محتملة مع إيران. ويتمثّل العامل الثاني بالخاصية الجغرافية. فالعراق يبتعد بمسافة معتبرة عن فلسطين، وإمكانيات الحشد غير قادرة على الرد على الاعتداءات بشكل واضح ومريح، من الناحية العسكرية، وهي لا تشترك معه في أي حدود او عمليات مشتركة، ما يجعل الرد بعيدًا من متناول إمكانيات الحشد وقدراته العسكرية. وهذا ما جعل نتنياهو يتمادى في عدوانه، ويعمل على تسييل فائض القوة في صناديق الانتخابات الإسرائيلية الشهر القادم.

حاول نتنياهو غير مرة أن يسقط ما يفعله سوريا وما سلكه مؤخرًا في العراق على لبنان مفترضًا أنّ المقاومة قد تبلع الطعم، ولا ترغب في الذهاب إلى حرب مفتوحة مع إسرائيل في هذا التوقيت، لعوامل عديدة، أوّلها ما يعانيه لبنان من أزمة اقتصادية اجتماعية تؤرق شعبه، لا طبقته السياسية الحاكمة، وإنّ أي حرب قد تنتج عن الرد على اعتداءاته، سيحمّل بعض اللبنانيين المقاومةَ مسؤولية كل الخراب الاقتصادي الذي ارتكبته الطبقة السياسية الحاكمة منذ العام 1992 ورميها في وجه حزب الله. إضافة الى الحصار الاقتصادي على كلٍّ من إيران والمقاومة في لبنان، ما يجعل يدها مكبّلة في أي ردّ قد يؤدي إلى توسيع المعارك بين الحروب والانتقال الى حرب واسعة ومعلنة وطاحنة.

ولكنّ حسابات حقل نتنياهو لم تتوافق مع البيدر اللبناني فما إن حاول جس النبض، وقياس ردة الفعل على اعتداء قد يُعتبر "غير خطير" ويمر من دون رد، يفتتح من خلاله مرحلة جديدة تغيّر قواعد الاشتباك المستمر منذ ثلاثة عشر عامًا، عبر طائرتي الدرونز اللتين سقطتا في الضاحية حتى سمع الجواب الواضح من السيد حسن نصرالله أننا دخلنا في مرحلة جديدة من المعركة مع الإسرائيلي ولن نقبل الخضوع للشروط الإسرائيلية الجديدة.

الجولة من المعارك (المختلفة) بين الحروب من المرحج أن تسفر عن النتائج الآتية:

أولًا: تثبيت المقاومة قواعد جديدة للعبة، وكسر القاعدة التي أراد نتنياهو إرساءها. وتحويل التهديد إلى فرصة، عبر منحها، مما حصل ليلة الأحد في الضاحية، مشروعية إسقاط أي طائرة مسيّرة فوق الأراضي اللبنانية.

ثانيًا: إتاحة الفرصة للمقاومة أيضًا في استخدام بعض ما تمتلكه من طائرات مسيّرة للتحليق فوق الأراضي الفلسطينية المحتلة، حتى لو استطاع العدو إسقاط بعضها أو اسقاطها كلّها، ما سيفسح للمقاومة أيضًا في إسقاط أي طائرة مسيرة تخرق المجال الجوي اللبناني.واستخدام جزء من منظومة الردع في الدفاع الجوي للمقاومة واختباره عمليًا. وهو ما سيطلق عليه حرب الدراونز أو المسيّرات.

ثالثًا: من الواضح أن ليس هناك من مصلحة لنتنياهو في فتح حرب جديدة مفتوحة مع المقاومة في لبنان لأنه غير ضامن لنتائجها، وهو على أبواب انتخابات مصيرية ستحدّد مستقبله السياسي والشخصي وأنّ خسارته الحرب وبالتالي الانتخابات ستفتح له أبواب السجن في قضايا الرشاوى والفساد المتهم فيها..

رابعًا: من الطبيعي أيضًا أن ليس للمقاومة مصلحة في حرب واسعة مع العدو في هذا التوقيت، وهذا ما أكّد عليه السيد نصرالله في خطابه في أنّ الموضوع سيقتصر على الطائرات المسيّرة، إضافة الى الرد الموضعي على استشهاد مقاتلَيْن من الحزب في سوريا في غارة جوية على دمشق.. لكنّ ذلك لن يمنعه من الرد القاسي على أي تجاوز إسرائيلي، والضرب بقوة تشعر العدو بحرارة النار.

خامسًا: ليس من مصلحة الولايات المتحدة الأميركية اندلاع أي مواجهة بين لبنان و"إسرائيل" ستمتد إلى الإقليم، وتطال القواعد الأميركية ومصالحها في المنطقة، وتخفّف الحصار المفروض على إيران عبر كسر جليد الستاتيكو القائم منذ أيار الماضي، وهو بطبيعة الحال ليس في مصلحة الإيرانيين، لأنهم أكثر المتضررين منه، إن لم نقل الوحيدين، وما عبّر عنه وزير الخارجية مايك بومبيو في اتصاله برئيس الحكومة سعد الحريري، داعيًا إلى عدم التصعيد، ياتي في السياق نفسه.

سادسًا: ليس من مصلحة الروس ومن خلال تواجدهم المحدث في المنطقة، بعثرة إنجازاتهم على الأرض السورية، وما حققوه من نجاحات، ومن إرساء قواعد جديدة، ومن حضور سياسي وعسكري فيها، قد تطيحه الحرب الكبرى. وليس من مصلحة الصينيين ولا الأوروبيين كذلك اشتعال منطقة الشرق الأوسط من خلال حرب واسعة، ولمّا تنتهِ الحرب في سوريا بعد، وتحمُّل ارتفاع جنوني لأسعار النفط، إضافة إلى تدفق الملايين من المهاجرين عبر البحر المتوسط وتركيا الى القارة العجوز.

لذا فإنّ هذه الجولة ستسفر عن خسارات بالجملة لنتنياهو وللمؤسسة العسكرية الإسرائيلية الذي ورّط نفسه فيها بسبب سوء تقدير أو غرور أو استعلاء. ومن المستبعد بطبيعة الحال ان تؤدي في المرحلة إلى حرب شاملة ليست من مصلحة أحد..

كتب : طارق عبود - كاتب وباحث في السياسات الدولية

صفحتنا على الفيس بوك

كاريكاتير

أعلى الصفحة