المرصاد نت

أذكر عندما انطلقت «الأخبار» كتب الراحل جوزيف سماحة نقداً لقيادة المملكة السعودية. ثم هاجم الزميل أسعد أبو خليل العائلة الحاكمة، كما نُشرت مقالات نقدية قاسية لأداء الحكم السعوديALmahfofffff2019.10.1 سياسياً وداخلياً. يومها لم تكن الأبواب موصدة أمام شيء من الحوار. اتّصل بي مسؤول سعودي لأجل عقد اجتماع عاجل. فهمت أن هدفه البحث في ما ينشر في «الأخبار». كان الرجل سريعاً وصريحاً: «نحن نتعاون مع غالبية وسائل الإعلام في لبنان ومنذ سنوات طويلة جداً نجحنا في تنظيم علاقات منعت التعرّض إلى قيادتنا وملكنا. ونحن نعرف أن لكم خطّكم السياسي الخاص. لكن لماذا لا نتفق على تحييد قيادتنا وملكنا عن النقد حتى ولو ظلّ هناك من ينتقد مواقفنا من هذه المسألة أو تلك. نسمع أن «الأخبار» تحصل على دعم مباشر من إيران وسوريا وقطر... يا أخي أنتم أحرار ولا مشكلة لدينا لكن ما هي المشكلة عندكم إذا أضفتم السعودية إلى لائحة الدول الداعمة؟».

يومها شعرت بصعوبة أن يستمع مسؤول سعودي إلى أحد يقول له: الأمر ليس على هذا النحو أعرف أنه سيكون صعباً عليك الاقتناع بأن ما أوردته ليس سوى معلومات خاطئة. ولكن لنفترض أنه صحيح، لماذا لا تفكّر في أنّ هذه الدول التي تقول: إنها تدعم «الأخبار» إنما تفعل ذلك بسبب أننا نعارض الحكم في السعودية ملكاً وعائلة وسياسات؟
اليوم بعد مرور ما مرّ من وقت، سيكون من السذاجة مناقشة أي مسؤول سعودي في ما تقوم به قيادته حيال القضايا العامة في المنطقة والعالم. وسيكون من الصعوبة بمكان، إقناع أيّ مسؤول سعودي بأن ما يقوم به الحاكم بأمره في الرياض ليس إلا ضرباً من ضروب الجنون التي تُعجّل في سقوطه، ويخشى أن تسقط معه البلاد أيضاً. لكن الأكثر تعقيداً ـــ بل ما يلامس حد الاستحالة ـــ أن تُقنِع مسؤولاً سعودياً بأن يناقش الأوضاع خلال العقد الأخير، وأن يُجري مقاصّة من دون إنكار أو غشّ. وكل ما سوف تسمعه، هو ما يمكن لك أن تقرأه في النشرات الصادرة عن السعودية مباشرة أو عبر تمويلها الكامل أو الجزئي لها. فالحقيقة عند هؤلاء واحدة ومطلقة، وموجزها: ما نقوله نحن، هو الحقيقة بعينها!
وإلى جانب السردية السعودية المُمِلّة عن الخير والبركات والدور والخصوم، كانت قيادة النظام هناك تعمل على إخفاء ليس فقط مؤامراتها ضد خصومها المنتشرين في كل العالم، بل تحاول ستر عورتها حيث المشكلة في المعلومات الخاطئة، وفي التقدير الخاطئ وفي الحسابات الخاطئة، علماً أن الجانب الآخر من الفضيحة يتصل باللامهنية التي يتّسم بها عمل المؤسسات السعودية، وحيث تجد أنه لا وجود لا لمؤسسات ولا من يحزنون. هناك حاكم وعنده كاتب واحد بأقلام كثيرة.

في عام 2015م نشرت «الأخبار» بالتعاون مع منظمة ويكيليكس مجموعة كبيرة من البرقيات السرية لوزارة الخارجية السعودية. ولم تقل الوثائق جديداً حول ما يقوم به النظام ضد خصومه بل قالت الكثير عن الرداءة في العمل سياسياً ودبلوماسياً وأمنياً من قبل سفارات ومبعوثي هذا النظام الوحشي. وكشفت عن قلّة احتراف في أصول العمل الدبلوماسي رغم كل قصائد الشعر التي كانت تُقال مدحاً في الوزير الراحل سعود الفيصل. مع العلم أن سفراء الرياض في الخارج ممنوعٌ عليهم كتابةُ أيّ تقرير يخصّ زيارات أو لقاءات أفراد العائلة المالكة، فهو أمر خاصّ لا تنطبق عليه أصول العمل في الدول، وهو ما حجب الجانب الآخر من الفضيحة.
وعندما استولى محمد بن سلمان على الحكم اهتمّ فقط بتنظيف مكاتب نظامه من غير الموالين له. لكنه فتح الباب واسعاً أمام نشاط يهدف إلى تعزيز حضور بلاده في العالم. وطبعاً لا يُضيّع ابن سلمان الوقت وهو يركّز على القطب الأقوى في العالم، أي الولايات المتحدة، حيث يقتنع آل سعود بأن ساكن البيت الأبيض هو ممثل الله على الأرض، وبيده الحلّ والربط.
منذ عام عدنا لنشر برقيات ووثائق صادرة عن مؤسسات رسمية سعودية إلى جانب ملفات تخصّ الأردن والإمارات . وفي كل مرة نجد أنفسنا أمام إبداع سعودي جديد وأمام أفكار عجيبة وغريبة لا تمتّ إلى علم أو حسابات بقدر ما تعكس عقليّة الحاكم الذي يعتقد بأن ماله سوف يتيح له الاستمرار لا في الحكم فقط بل التخلّص من كل خصومه سواء أكانوا أفراداً أم قوى أم حتى حكومات وأنظمة. وجديد ابن سلمان هو الاستسلام إلى شركات استشارية من مختلف أنحاء العالم تضع له التصوّرات وتتخيّل عنه في كيفية هزم الخصوم.
اليوم تبدأ «الأخبار» بنشر قسم من ورقة طويلة أعدّها مساعدو ولي العهد بالتعاون مع شركات متخصّصة في السياسات الدولية والعلاقات العامة وأنفق من أجلها الملايين من الدولارات بغية تقديم خطة عمل تُعرَض على البيت الأبيض وعلى الرئيس الحالي دونالد ترامب لأجل محاربة كل خصوم النظام السعودي.
فضيحة هذه الأوراق ليست في الخيال الفقير عند معدّيها بل في زهو حاكم المملكة بنفسه وقدرته على تحقيق الكثير خلال وقت قصير. وفيها الكارثة الكبرى المتّصلة في أنه يعتقد أن شطب نظام أو قوة أو شعب، يمكن أن يحصل بجملة ومقطع فيديو وكيس من الدنانير!

كتب : أ . إبراهيم الأمين

صفحتنا على الفيس بوك

كاريكاتير

أعلى الصفحة