المرصاد نت

بعد قرن كامل (1920 ـ 2020) من إنشاء الكيانات السياسية الجديدة في المشرق العربي بعد سقوط السلطنة العثمانية (ومعها ألمانيا) في الحرب العالمية الأولى دار الفلك بالمشرق العربي دورة ALiraq2019.12.27Iraqكاملة فإذا به يعود في الاحتلال الغربي ( بريطانيا وفرنسا) كلياً بأقطاره الأصلية مقطعة بكيانات مستحدثة “غب الطلب”.

لم يقدر للأقطار التي قطعت أوصالها فجعلت “دولاً” عدة رسم خرائطها الأجنبي (الفرنسي والبريطاني، بداية) مقتطعة منها، ضمناً، فلسطين لتكن أرض الكيان الإسرائيلي، الملحوظ ضمنا في معاهدة سايكس ـ بيكو التي قسمت “المشرق” بين بريطانيا وفرنسا.

تم ذلك، طبعاً، قبل أن تمد الهيمنة الأميركية ظلالها على مساحة أوسع اذ ضمت إلى لبنان وسوريا والأردن والعراق ودول شبه الجزيرة العربية: الكويت والسعودية ثم الإمارات وصولاً إلى قطر..

كان التقطيع الأول يمهد لاستيلاد الكيان الإسرائيلي على أرض فلسطين، اما كيانات شبه الجزيرة فقد كان مبرر استيلادها النفط ومعه الغاز.

على أن الولادات القيصرية لهذه الكيانات التمهيد العملي لاستيلاد الكيان الصهيوني (إسرائيل) على أرض فلسطين العربية، التي كانت تحت الإنتداب البريطاني، فقدمت “هدية مذهبة” للحركة الصهيونية لتقيم فوقها الكيان الإسرائيلي، بعد هزيمة مذلة للدول العربية التي كانت ما تزال طرية العود ولم تستكمل أسباب حياتها بعد (أيار 1948).

أما اليوم وبعد كل الثورات والانتفاضات والانقلابات العسكرية التي أسقطت ملوكاً (فاروق في مصر والعراق)، وبعد الاحتلال الإسرائيلي الذي “وسع” مساحة امارة شرقي الأردن، اذ ضم الأمير عبدالله ابن الشريف حسين، مطلق الرصاصة الأولى (والأخيرة) في “الثورة العربية الكبرى”، ما عجزت عن ابتلاعه إسرائيل، أي الضفة الغربية لنهر الأردن، ولكنها ستعود لتبتلعها بعد الهزيمة العربية في فلسطين، بعد أن كان الأمير عبدالله قد صّير نفسه ملكاً قبل أن يقتله بعض الثوار الفلسطينيين بتهمة المخادعة والإفادة من تضييع فلسطين ليشارك الإسرائيليين فيحول إمارته الهاشمية إلى مملكة.

هذا في التاريخ الذي حاولت بعض الانتفاضات والثورات العربية تغييره او إعادته إلى سويته بما يحفظ شرف هذه الأمة… لكن المحاولات قد أخفقت، وها نحن ـ في المشرق، خاصة ـ أمام مجموعة من الكيانات التي صيرت دولاً مهددة في وجودها أو ممزقة كياناتها، يغير عليها طيران العدو الإسرائيلي متى شاء ويتقدم “السلطان” أردوغان لاحتلال بعض الشمال السوري بذريعة “مطاردة الأكراد المتمردين” خارج نطاق “سلطنته” بينما تتقدم قوات أميركية لاحتلال منابع النفط في شرقي سوريا ( بجوار دير الزور، والأمتداد الصحراوي).

أما العراق الذي دمره عهد صدام حسين “مستدعياً” الاحتلال الأميركي بعد مغامراته العسكرية القاتلة ضد إيران (الحرب التي دامت من أيلول 1980 حتى آب 1988م أي لأكثر من سبع سنوات طويلة ثم غزوه الكويت في 1 اب 1990 التي انتهت بالإحتلال الأميركي لكامل أرض السواد في منتصف نيسان 2003).

وأما سوريا فقد مزقت دولتها القوية الحروب المتواصلة فيها وعليها فاستضعفها “السلطان” أردوغان، وتقدم ليحتل بعض شمالها، في حين حاول الأكراد الاستقلال، ولو تحت ستار الحكم الذاتي في بعض الشرق، موفرين الفرصة للتقدم نحو منابع النفط شمالي دير الزور.

المشهد العربي في هذه اللحظة غاية في البؤس:

فالأخوة الأغنياء يتواطؤون ويتآمرون على أخوتهم الفقراء، فيحتلون بعض أقطارهم (السعودية والإمارات في اليمن) متسببين بإضعافها بل بتمزيق وحدة كيانات، كما في اليمن، وإلى حد ما في العراق وسوريا.

وفتح هؤلاء “الأخوة” قصورهم في عواصمهم للقاءات علنية، أو سرية، مع قادة العدو الصهيوني، ونتنياهو على وجه التحديد مع التعهد له بالاعتراف، قريباً، بالكيان الذي أُقيم على حساب وحدة الامة العربية عبر احتلال فلسطين وتحويلها إلى “دولة إسرائيل”..

أما مصر فقد عزلت ذاتها خلف حدودها بعد مصالحتها العدو الإسرائيلي وإقامة العلاقات الدبلوماسية معه، وأخذت تبادله أقتصادياً فتبيعه من غازها، ثم تشتري من غازه بعد اكتشافه قرب الشاطئ اللبناني واستثماره بينما لبنان ما زال ينقب في قصور حكامه وزعاماته عن حكومة!

بعد مائة عام من نشوء أو استيلاد دول المشرق قيصرياً، تبدو أوضاع هذه الدول بائسة، وكياناتها مهددة، تكاد تكون بمجملها خاضعة للهيمنة الأميركية، مفقرة لان ثرواتها منهوبة (من الداخل كما من الخارج..)

..وها هو لبنان الذي كان يقدم “كيانه” كنموذج للنجاح، ويتخذه أهل النفط والغاز العرب مصيفاً ومنتجعاً ودار لهو وراحة، يعاني أزمة اقتصادية خطيرة تدفعه إلى حافة الفقر.. ويعجز نظامه عن تشكيل حكومة جديدة. وتنهار عملته أمام الدولار، وتحجز المصارف ودائع زبائنها بذريعة مقاومة الإفلاس اذا تزاحم أصحاب الودائع أمام أبوابها..

هل عليَّ الاعتذار عن تقديم هذه الصورة البائسة عن أوضاع بلادنا ونحن نستقبل العام 2020؟

ولكن الحقيقة تفرض التدليل على مكامن الخطر على المستقبل العربي. وهذا ما حاولت تقديمه في هذه الكلمات.

وكل عام وأنتم بخير.. ولتكن سنتنا الجديدة أفضل من سابقاتها...

قراءة : طلال سلمان - صاحب جريدة "السفير" اللبنانية ورئيس تحريرها منذ آذار 1974 حتى آخر عدد من صدورها بتاريخ 4 كانون الثاني 2017م ..

صفحتنا على الفيس بوك

كاريكاتير

أعلى الصفحة