المرصاد

mohammed naji

كتب: محمد ناجي احمد

 

 

ولي وطنٌ آليتُ ألا أبيعَهُ

وألا أرى غيري له الدهرَ مالكا

عهدتُ به شرخَ الشبابِ ونعمةً

كنعمةِ قومٍ أصبحُوا في ظلالِكا


ابن الرومي

 

العديد من المثقفين والسياسيين المعارضين لسلطة رؤوس الثعابين طيلة العقود الماضية كانوا في لحظات التعب يفرون من رأس ثعبان ليتلقفهم رأس ثعبان آخر ، وكلها رؤوس ثعابين تتكامل كسلطة واحدة استمرت لأكثر من ثلاثة عقود تجمعها المصالح ، والقبضة الأمنية للأوضاع ، وفق تقسيم للسلطة والثروة ...

كان دور الإخوان المسلمين هو خلق تضييق وتكفير وترهيب دفع بالعديد من المثقفين ليسقطوا غنيمة سهلة في أحضان المؤتمر الشعبي العام ، أو جهاز الأمن الوطني /السياسي ، كلاهما المؤتمر وجهاز الأمن الوطني/السياسي وسيلتان ومظلتان لنشاط الإخوان المسلمين في اليمن ، طيلة العقود المنصرمة...

منذ 2014 واكتساح صنعاء مثلت الحركة الحوثية ، من خلال نشاطها وفاعليتها العلنية في المحافظات ، منذ أحداث 2011 – طوق نجاة ظنها العديدون بأنها حركة ثورية ، فكان أن التهمت العديد من اليساريين ، بحجة أنها حركة أسقطت مراكز القوى ، وغاب عن الكثيرين أنها حركة تخلقت من داخل معطف النظام ، لا من خارجه ، ومن جغرافية هي عبر عقود الثورة السبتمبرية ظلت السعودية بقرارها وعملتها النقدية ومشيئتها المهيمن الفعلي والرسمي فيها!

وكأن المثقف في هزيعه الأخير بحاجة إلى قشرة ثورية خارجية كي يسقط في رغباته الانتهازية ،فمثلت له الحركة الحوثية تلك اللافتة ، وذلك الوهم الثوري ، ليواري انتهازية كامنة فيه!

نعم منذ بداية عام 2018 ، ومع الضائقة المعيشية ، كانت كتاباتي في صحيفة (لا) ومردودها المالي البسيط لا يفي باحتياجات أسرة ومتطلباتها، وخاصة مع انقطاع الراتب ، فكان أن قبلت الكتابة في يوميات صحيفة الثورة بصنعاء، وكان مقابل الانتاج الفكري مع ما يعطى لي من الهيئة الإعلامية لـ(حركة أنصار الله) الحوثية ابتداء من عام 2018، يغطي احتياجاتي في حد الكفاف، خاصة مع توقف موقع العربي عن نشر كتاباتي، وكأن التوقيت كان مقصودا من موقع العربي!
مع ملاحظة أن جل المثقفين بصنعاء يستلمون مبالغ من الهيئة الإعلامية للحركة الحوثية(الهيئة الإعلامية لأنصار الله) لهذا تجدون كتاباتهم في المنطقة الرمادية ، منطقة الأعراف ، لا المعرفة! ومن لا يستلم من الحركة الحوثية يتقاضى دعما قطريا من خلال توكل كرمان ، وما تمثله من وسيط في تهجين المثقفين وتحويلهم إلى ذباب ، والبعض جزء من الذباب الأليكتروني لجيش قطر الإعلامي!
تتعدد السحب لكن خراجها حين تسقط واحد!

كان التواطؤ بالنسبة لي يتمثل بأن أغض الطرف عن التفكير بطبيعة هذه الحركة ، وأهدافها ، وأن أضلل نفسي بأن أقدم خطابي اليساري والقومي وألبسه لبوس هذه الحركة!

كان هناك نوع من تضليل الذات ، أن تخدع ذاتك بأن هذه الحركة التي جوهرها يقوم على الولاية للعرق والسلالة ، ووهم الوصية ...
الحركة التي تقدم نفسها على أنها اصطفاء إلهي للحكم دون الناس جميعا، الحركة التي جعلت أعظم نبي خلق أمة المساواة بين الناس فحولته إلى نبي العترة -حركة ثورية، وكأن الثورة ارتداد ماضوي!
نعم لقد خدعت نفسي وضللتها بانغماسي في مواجهة وكشف وتعرية قبح العدوان والدور السعودي الامبريالي في اليمن والمنطقة ، وألبست هذه الحركة ثوبا مقاوما وثوريا قوميا ويساريا ، بينما هي مؤسسة على أقنعة الطائفية المتعددة، وتتكامل مع قصور الوعي ، بل وتعزز في حركة الإخوان المسلمين سقوطها في قيعان المناطقية والمذهبية !

أن يقاوم المثقف الدور الأمريكي /الصهيوني / السعودي من خلال حركة يجدها الأمريكان والسعوديون بأنها حركة (فتية) ، تنجز لهم ما لم ينجزه الإخوان المسلمون طيلة عقود ماضية ، في اليمن-فتلك هي الخديعة، وذلك هو الانكسار!

لا شك أن حركة الإخوان أنجزت للغرب على المستوى العربي العديد من إعاقات النهوض العربي ، لكنني هنا أتحدث عن الدور الوظيفي لحركات الإسلام السياسي في اليمن.

نعم أعترف أن مقابل الإنتاج الفكري كان وسيلة تطويع ، لكن إلى أي مدى كان هذا التطويع؟

لم يكن انتقالا لخطاب الولاية ولا لترديد صرخة الاستلاب للوعي ، ولا لترديد محتوى ملازم؛ خطابها ومحتواها ونصها وفحواها أكثر رجعية وارتدادا في تاريخ الفكر باليمن، كونها ارتدادا موغلا في سلفيته ، ولعل المقارنة بين رؤية أحمد عبد الرحمن شرف الدين وتصوره ومفهومه لشكل وبناء الدولة ، وبين رؤيتهم كسلطة قهر في صنعاء لبناء الدولة يعكس المسافة بين الغاية المبطنة ، والاستخدام الخادع للأشخاص والرؤى...
لهذا تكون النتيجة إعدام جسدي أو إعدام معنوي أو كليهما!

في العديد من محاضراتي في صنعاء طيلة سنوات 2018 وما بعدها، وهي لا تتجاوز عدد أصابع اليد الواحدة، كانت تنتهي بالصرخة ممن هم جواري ومن الجمهور ، كنت الغريب في صمته ،والمرفوض عند جمهور يرى في عدم ترديدك للصرخة البلهاء في ظاهرها والمتصهينة في جوهرها - نفاق!
وذات يوم من عام 2020 دعيت إلى ملتقى ثقافي ، هكذا قيل لي ، لكنني تفاجأت بأنها دورة تثقيفية لمدة أسبوع في رسائل حسين بدر الدين الحوثي. حضر الدورة العديد من الوزراء والمثقفين ودكاترة الجامعة ؛ والعجيب بعضهم بتخصص الفلسفة!، والمحاضر هو المعد لتلك الملازم شبه أمي!
حضرت اليوم الأول ، وكنتُ الغريب ؛ يرددون الصرخة في ختام المحاضرة وأنا صامت في ذهول !
ثم يكررون دعوتي والالحاح على حضوري فأمتنع بأدب ، وحين لا يجدي الحياء أرفض بشكل صريح!

حين يبدأ المثقف بإيجاد شكل من المواءمة بين تطلعاته وفكر الكهنوت السلالي فإنه بالنتيجة يتشيأ ،يتحول إلى سلعة بيد الكهنوت لا أكثر ...
حاولت ألا أكون سلعة بشكل مطلق وأظنني نجحت نسبيا بالحفاظ على جذوة المعرفة والموقف داخلي...

ما كتبته عن خطابات عبد الملك الحوثي ، كان تجسيدا لهزيمة المثقف ، وإن عملتُ إحلالا لخطابي الحداثي بديلا لخطابه المؤسس على الولاية ، وهذا لعمري أسوأ أنواع التزييف !

صحيح ذلك لم يكن سوى الأقل في جهدي الفكري ، لكن الأمور لا تحسب بنسبها الكلية ، وإنما بأثرها !

في بعض بوحي ووجعي هنا فإنني لا أتنصل عن جهودي في التفكير النقدي للتاريخ السياسي اليمني ، ومن ذلك تناولاتي لتاريخ الأئمة السياسي في اليمن ، قناعتي أن هذا تاريخ عضوي وليس طارئا في التاريخ اليمني الوسيط ، وهو جزء بكل سماته من تاريخ الإقطاع وشبه الإقطاع، بل ويتعاضد مع سلطة المجتمع وتكوينه القبيلي.
هنا لم أكن أمارس مخاتلة مع الذات ، وإنما أقرأ تاريخا يمنيا ، وأرغب بمصالحة يمنية تحتوي كل مكونات المجتمع اليمني ، وفق منطلقات جمهورية ديمقراطية حداثية، فمن يستهدف بنية المجتمع اليمني ، يعطي للحركة الحوثية عمقا في التاريخ وفي المستقبل ، في حين إنها حركة سياسية تخلقت في بيئة جغرافية، السعودية هي المسيطرة على قرارها ، وفي ظل نظام سياسي لرؤوس الثعابين ، صنعتهم الولايات المتحدة الأمريكية بوكالة إقليمية سعودية!

أعلى الصفحة