كتب: عبدالباسط الحبيشي473px Donald Trump official portrait

 

 

قد لا أتفق مع الرئيس دونالد ترمب في بعض القرارات الدولية من وجهة النظر العربية والإسلامية لكنني بالضرورة لا أخالفه في توجهاته من حيث دفاعه عن وطنهِ الولايات المتحدة الأمريكية وشعبها ضد الدولة العميقة والقوى التي تسيطر على الرأسمال والإعلام والسياسية والتطرف الليبرالي اليساري في بلاده بالإضافة إلى قوى الخارج التي سيؤدي إنتصارها ليس إلى سقوط الولايات المتحدة وحسب بل إلى إنهيار العالم بأكمله.

 

مرّ أكثر من قرنٍ كامل منذُ الحرب العالمية الأولى وحتى الحرب العالمية الثالثة القادمة التي يتم حالياً وضع البهارات الفيروسية عليها بأصابع إبليسية مرتعشة تتساقط على طبختها المسحورة المتعفنة. قرنٌ من الزمن قامت خلالها المافيا العالمية بوضع الولايات المتحدة في الصدارة ووجهت فوهة مدافعها القوية ضد كل المعارضين من دول العالم، وأستغلت قدرات أمريكا الضخمة بأرضها وثرواتها وشعبها المُهاجر من كل أنحاء الدنيا ضد الشعوب الأخرى، وأستنزفت إمكانياتها لتحقيق مصالحها الكُبرى في خدمة اطماعها في إطار خطتها الشيطانية للسيطرة على العالم التي لا تمت بأي صلة لمصلحة الشعب الأمريكي او لأمريكا نفسها عدا تحمُل أوزارها وإنهاك شعبها.

 

وإمعاناً في ذلك جعلت هذه القوى أمريكا بمثابة - الشيطان الأكبر - لتكون الشماعة التي تعلق عليها كل جرائمها خلال قرنٍ كامل، بينما دأبت في نفس الوقت على إنشاء نظام إنتقالي بديل تنطبق عليه شروط المرحلة القادمة تكون غايته هو الإسترقاق الإنساني الشامل، وآلياته هو النظام الشيوعي الشمولي الإستبدادي الطغياني الكامل، وأدواته هو الشعب الصيني الضخم المُسترقّق بالإضافة الى بقية القطعان في بقايا الدول الأخرى، ورغم أن تقدم الصين في واقع الأمر ماهو إلا صنيعة أمريكية في الأساس، لأن شعب أمريكا بالنسبة لمافيا العالم لم يَعُد يجدي معه إستقبال نظامها العالمي الجديد كونه تربى على حرية الفرد واستقلاله لردحٍ طويل من الزمن ومسألة تطويعه إلى حالة متناقضة من العبودية تحتاج الى فترة طويلة لم يَعُد الوقت يسمح بها في ظل التطور التكنولوجي السريع. لذا تم تهيئة الصين لاسيما منذُ نهاية القرن الماضي من خلال تفريغ أمريكا بسياسة ال outsourcing ونقل عمليات الشركات العملاقة الى الصين بذريعة رخص العمالة بتزامن مع سرقة العقول والإبتكارات والتكنولوجيا الأمريكية بأنواعها وتدفق البعثات الصينية الطلابية الضخمة الى أمريكا للدراسة والعودة بالإضافة الى إتاحة الفرصة للصين، التي مازالت تُصنف "كدولة نامية"، من خلال الإتفاقيات المجحفة على أمريكا، للسيطرة على الأسواق وأغتصاب حقوق الملكية الفكرية والقيام بمشروع طريق الحرير كحزام تجاري واقتصادي عالمي ليس من أجل خدمة الدول التي يربطها الحزام كما يعتقد البعض بل من أجل خدمة المافيا الدولية للتحكم بطرق التجارة وتسهيل النقل لما بعد النظام العالمي الحالي، وكما هو واضح على سبيل المثال لا الحصر من خلال الأحداث التي تدور على طول الشريط الساحلي لبناء طريق الحرير في جنوب اليمن من عُمان وحتى باب المندب التي يُقتل فيه اليمنيين ويُدمر فيه اليمن ليقوم على انقاضها مشروع جديد تنفذه بالوكالة المافيات الماسونية للإمارات والسعودية وذلك لتمهيد الطريق لهذه السيطرة. قد يتراءى للمرء بأن كل هذا يتم ربما بالصدفة او بالذكاء والقدرات الصينية او بالتوجه السلمي للصين، لا لا .. أبداً، لا تقعوا في هذه الخِدعة لأنه إذا كان الأمرُ بالذكاء او بالقدرات فصدقوني لا يوجد على أرض البسيطة من هُم أذكاء وأقدر من العرب ولا توجد أرض أفضل من أرض العرب. لكن الأمر ليس بالذكاء ولا بالمؤهلات بل هو بمدى القابلية للإنصياع والتدجين السريع وقبول للأوامر والتوجيهات العليا بكل نواحيها وإتجاهاتها المركبة لأي شعب، وليس أفضل وأقرب إلى ذلك من الشعب الصيني المتجرد من العقائد والمِلل والفاقد للقيم العامة بإستثناء القانون الذي تفرضه عليه الدولة، ان يقوم بدور القطيع المتراص دون ككلٍ او ملل مقابل ان يعيش.

 

بينما الشعب الأمريكي الذي تعود على حُرية العقيدة والعمل والتعبير عن الرأي وامتلاك السلاح بنصوص دستورية يمُر خلال هذه الفترة بتجربة أستطيع ان اطلق عليها بتجربة (التركيع) عن طريق فرض الإمتثال الجماعي عليه او المطابقة الجماعيه بالترويض للطاعة الكاملة ومصادرة حقوقه في الحرية بترهيبه وإخافته من الموت بالمرض. وهذه هي الغاية الأساسية من فرض قناع الوجه على الجميع بحجة فيروس كورونا القمعي وتداعياته الوهمية الذي اثبتت علمياً وطبياً ان هذا القناع او هذه اللثمة إن صح التعبير تُشكل أزمة صحية لمن يقوم بإستخدامها ناهيك عن تداعيات الخوف والأزمات النفسية التي تؤدي إلى الوفاة.

 

ومن هذا المنطلق تأتي الإنتخابات الرئاسية القادمة وفقاً لهذا التمايز التي سيضع المعيار الحاسم لقابلية الشعب الأمريكي إما بالتنازل عن حريته وإنسانيته ومنزلته الأولى في العالم والرضوخ للمافيا الدولية ودخوله حقبة النظام الشيوعي الإستبدادي الجديد من خلال إنتخاب المُرشح الديمقراطي جون بايدن الذي سيبيع أمريكا الى الصين أم انه سيصر على الإستمرار لقيادة العالم واسترجاع حريته المنصوص عليها بالدستور الأمريكي، وذلك عن طريق إعادة إنتخاب الرئيس الجمهوري دونالد ترمب الذي يرفض (اللثمة) جملةً وتفصيلاً ويدعو إلى إعادة بناء "أمريكا العُظمى مرة أخرى". وعلى أساس هذا الخيار سيتم إنتصار ام إنهيار النظام العالمي الجديد. لكن بالمقابل على الشعب الأمريكي الذي يُعتبر بمثابة قياس ريختر لبقية شعوب العالم ان يتحمل النتائج المحتملة جراء إختياره الصعب التي سيتمثل في معركة حامية الوطيس ستقوم رحاها ضد المافيا الدولية وأتباعها المندسين في أغوار وجحور الدولة العميقة في الداخل الأمريكي ومن ثم الدخول ربما في حرب طاحنة مع الصين وأتباعها.

 

إذن فإن العالم كله يقف على مفترق طُرق احلاهما مُر من خلال الإنتخابات الرئاسية القادمة التي هي أخطر وأصعب إنتخابات سيمرُ بها التاريخ الأمريكي على الإطلاق لأنها ليست مُجرد إنتخاب رئيس جديد او إعادة انتخاب السابق لفترة ثانية واخيرة، وليست ايضاً عبارة عن انتخابات ديمقراطية تنافسية بين الحزب الجمهوري والحزب الديمقراطي كما درجت العادة بل انها في هذه المرة تُمثل المفاضلة الكُبرى بين النظام العالمي الراهن وكل القيم والعادات والأنماط الإنسانية وأنواعها المعروفة وبين التخلي عنها جميعاً بما في ذلك العقل الإنساني نفسه الذي يعمل بمشيئة الحرية في الإختيار الممنوحة من الله للإنسان او دخول مسار جديد ينتصر فيها عبّدة الشيطان ويُسترقق فيها الإنسان بعد تسليم نفسه وعقله للشيطان بالكامل ودون رجعة الا ماشاء الله، كما انها بين طريقين إما التي تؤدي إلى الجحيم بكل ماتعنيه الكلمة من معنى بقيادة الصين أو إنتصار أمريكا ذو الكُلفة الباهضة ولكن نحو الإنعتاق النهائي من دُعاة الشيطان.

 

ومن المؤسف حقيقةً أن بعض الدول لا تقراء الأحداث والمتغيرات الإستراتيجية في العلاقات الدولية على مستوى العالم ولا تفصل في علاقاتها الدولية بين الوان واطياف المواقف السياسية مع الدول الكبرى ولا تفهم بأن السياسة لا تقتصر على اللونين الأبيض والأسود، ولا تعترف بأنه لا توجد في السياسة صداقة دائمة ولا عدواة دائمة بل ثمة مصالح دائمة. وفي هذه المعادلة من الممكن الإتفاق مع امريكا في كثير من القضايا، والإختلاف ايضاً معها وبشدة في قضايا أخرى، وحتى مع الرئيس ترمب نفسه يمكن الإتفاق معه بقضايا معينة والإختلاف معه بأخرى. لذا فإنه من الخطاء ان نجد بعض هذه الدول ترتمي في أحضان الصين او في أحضان روسيا او حتى في أحضان بريطانيا نكايةً بامريكا/ترمب دون ان تختبر ماهية المتغيرات على الخرائط السياسية ودون ان تدرس إمكانيات هذه الحكومة او تلك او مقدرة هذا الرئيس او ذاك من تقديم مايمكن تقديمه او التنازل ما يمكن التنازل عنه لدولةٍ ما، ولا حتى تكلف نفسها بالسعي لمعرفة إستراتيجية الخُطط التي تتبناها الدول الكُبرى ومتغيراتها من خلال القيام بدراسات خاصة متعمقة.

لذا فإن الجدير بالذكر والذي ينبغي ان يعلمه الجميع هو أن الولايات المتحدة ماتزال القوة الأعظم وتتمتع بقوتها وعافيتها وعنفوانها وستظل كذلك رغم كل الأحداث ورغم كل التهويل الإعلامي المزور لأنها تمتلك من البُنى التحتية والوسطية والفوقية الضخمة في كل المجالات التي لا يمكن تدميرها بجرة قلم او بطلقة صاروخ ولديها من القوة الهجومية والردع النووي الأول في العالم، وأن الرئيس دونالد ترمب يؤكد بأنه لن يستسلم في اي معركة إلا بحرب وفي هذه الحالة فإن إستسلام الولايات المتحدة ورضوخها لأي إملاءات خارجية او داخلية باتت من المستحيل، وهذا يعني أن الإنتخابات القادمة لن تكون إلا تحصيل حاصل لما تبقى من أطلال ما تُسمى بالديمقراطية المتهالكة التي لم تخدُم في مسيرتها التاريخية إلا من يدفع أكثر او من له نفوذ أكبر. ولذا ارجوا من بعض الدول العربية والإسلامية الإقليمية المؤثرة والتي تمتلك قدراتها الذاتية في القرار السياسي ان تراجع مواقفها من الأحداث الإستراتيجية القادمة ولا تبني مواقفها على أساس العواطف او الإنتقام او ان تستلهم معرفتها السياسية من فقاعات الإعلام العالمي المزوّر او من العناصر الذين يدّعون بأنهم خبراء كبار في السياسة والإقتصاد او من بعض الفضائيات التي تدّعي بانها تمتلك الحقيقة بينما هم جميعاً يروجون للأجندات المرسومة سلفاً كلٍ بطريقة تختلف عن الأخرى تنفيذاً لرغبات فصائل المافيا العالمية التي ينتمون إليها او يعملون لها.

 
في الأخير فأنه من المرجح، إستحقاق الرئيس دونالد ترمب بالفوز لفترة ثانية وذلك لأنه يقف على أرض شعبيةٍ صلبة من منافسيه الذين استماتوا بإستخدام كل أنواع الطرق والأساليب الرخيصة لإزاحته من رئاسة البيت الأبيض منذُ الوهلة الأولى لفوزه بإنتخابات الرئاسة الأمريكية وحتى اللحظة ولكن دون جدوى، وهذا ماقد يثير غضبهم أكثر مما قد يؤدي إلى صراع كبير مما يسبب حدوث إستثناءات دستورية طارئة في الفترة القادمة تؤهله للبقاء فترةٍ اطول لتثبيت قواعد الجمهورية التي تواجه هجمةٍ عالمية شرسة من كل حدبٍ وصوب.
 
أعلى الصفحة