كتب: عبدالباسط الحبيشي
 عبدالباسط الحبيشي
 
الدين الذي لا نعرفه
 
في الحقيقة ان ثمة الكثير مالا نعرفه كمسلمين عن الإسلام جعلنا نستهين بقوة فاعليته وهيمنته وسيطرته الفكرية والثقافيه على شعوب العالم مما جعل حكومات القوى المتسلطة ترتعد من هذه الهيمنة الغير مرئية والغير مُدرَكه بالرغم من ان المسلمين يعيشون في حالات ضعف شديد وتقهقر من ألف عام لاسيما في الظروف الراهنة المستمرة منذ أكثر من قرنٍ كامل.
 
 إلا أنه بعد أن قامت تلك القوى بكل أنواع التجارب على مدى قرون طويلة لتشويه الإسلام وتقطيعه والسيطرة عليه لدرجة انهم توهموا بأنهم هُم من يصنعون الإسلام ويتحكمون بمخرجاته كما أشار الى ذلك رئيس المخابرات الأمريكية الأسبق جيمس ولسي، لا يعلمون بأن الإسلام يحمل بذور إستمراره ومواجهاته للإفتراءات عليه لأنه دين الفطرة التي لا يتعارض مع نواميس وقوانين الحياة الإنسانية وأسباب وجودها. دينٌ ظهر عند قلةٍ من البدو في جزيرة العرب فسادوا العالم لأكثر من ألف عام. دينٌ ألتزمت به قبيلة صغيرة سلجوقية من الأناضول فحكمت العالم لستةِ قرون. 
 
وهذا ايضاً مايعترف به الرئيس الفرنسي إمانويل ماكرون الذي لم يستطيع كتمان غيضه بهذا الشأن فأعترف من حيث لا يدري بفشل كل المحاولات لكبح جماح الدين الإسلامي من الإنتشار في بلاده بشكل خاص وفي الغرب والعالم بشكل عام حيث قال "إن الإسلام يمر بأزمة في كل العالم .. إلا أن العلمانية تتراجع أمامه ......". وهذا يعني انهم فشلوا في مواجهة الإسلام وتحجيمه رغم كل القرون التي مرت في محاربته والمحاولات التي استهدفته بشكل خاص دون ان نبذل  نحن المسلمون في المقابل اي جُهد يُذكر للدفاع عنه بل على العكس من ذلك وهو أن قطاع كبير منا ساهم ويساهم بفاعلية بشكل مباشر او غير مباشر وبشكل رسمي او غير رسمي في حملات مختلفة بالحرب على الإسلام لدرجة أن بعض هذه الحملات بدأت تتبنى صياغة دين جديد يضم الثلاثة الأديان اليهودية والمسيحية والإسلام في دين واحد يُسمى بالإبراهيمي مركزه إحدى عواصم الدول العربية في محاولة يائسة وبائسة لصهر الأديان ببعضها ثم التخلص منها جميعاً، لكنهم لا يعرفون بإن الإسلام قد سبقهم الى ذلك قبل خمسة عشر قرناً فأحتوى كل الأديان وقام بنفس الوقت بتحصينها دون ان يقوم بإذابتها او محوها والتخلص منها بل جعلها تتعايش معه لأن غاية الأديان في الأساس هي واحدة ومشتركة حيث جاءت لعبادة الخالق وتهذيب الفعل الإنساني وتجميله بالأخلاق والقيم الإنسانية وتكوين الأسرة من أجل تعمير الأرض بل ان الإسلام بشموليته أستطاع أن يحتوي بقية الأديان السابقة له بأكثر من خمسمأة عام وايضاً الأديان الوضعية الأخرى لأنه تضمن أجمل مافيها ولم يُقصِها كما اقصت الأديان الأخرى الدين الإسلامي التي لم تعترف به بما في ذلك اليهودية والمسيحية بل انها عملت ايضاً على تشويهه وتدميره بكل الطرق والوسائل الممكنة والغير ممكنة والتاريخ مليئ بالشواهد على ذلك. 
 
لقد استطاعت قوى المال الربوي في اوروبا خلال القرون الوسطى إزاحة الدين المسيحي عن السياسة والإقتصاد وعلقته على شماعة العلمانية لدرجة أنه تحول إلى اداة من ادوات هذه القوى لكنها فشلت ان تقوم بنفس الفعل ضد الإسلام مما جعلها في القرن التاسع عشر تطلق مقولتها الشهيرة على لسان الكاتب كارل ماركس  "الدين أفيون الشعوب" في إطار حربهم ضد الأديان والإسلام بشكل خاص وقد وجدوا الكثير من المبررات لهذه المقولة التافهة التي بعضها من صنعنا نحن وأخرى تحت عنواين براقة مختلفة كالشيوعية والإشتراكية وحقوق الإنسانية والحريّة ومؤخراً الديمقراطية التي نشهد راهناً تساقطها في أعظم دولةٍ في العالم التي سلكت هذا الطريق. 
 
 
لكن ماهي إشكاليتنا نحن كمسلمين في الإسلام: ولماذا يلحد المسلمون ويدخل المشركون إليه أفواجا؟
 
 
 انصاف المتعلمين هُم الإشكالية؛
 
إن الذين يدخلون المدارس من أطفال المسلمين على مدى قرنٍ كامل يتعرضون لدراسة علوم ناقصة ومشوهه بفعل فاعل في كل المجالات ناهيك عن التربية الإسلامية فتقف أمامهم الكثير من الأسئلة التي لا يلقون لها إجابات شافية او صادقة على الأقل حتى يَجِّدَ المسلمون في مواصلة البحث عنها، بل يواجهون إجابات ملفقة تثير الشفقة، وهذا العجز عن إيجاد إجابات حقيقية علاوةً على الكم الهائل من المغالطات التي صاغ اكثرها "علماء" المسلمون أنفسهم على مدى حقبات مختلفة من الزمن يقف أنصاف او ارباع المتعلمون حائرون أمام دينهم الذي يفتقد للكثير من الإجابات المنطقية والعقلانية والروحانية لإملاء الفراغ الذهني الذي يتكور في ادمغتهم ناهيك عندما يرون نماذج كثيرة من علماء وحُكام المسلمين، الذين ينبغي ان يكونوا قُدوة، يجدوهم يقولون مالا يفعلون لدرجة ان بعضهم يكذب ويسرق ويرتشي ويرتكب الرذيلة ويمارس كل أنواع العُهر. لذا يسقط الإسلام في وعيهم ووجدانهم في الوقت الذي يجدون أمامهم من العنواين واليافطات البراقة عن العلمانية والإلحاد وغيرها مبتغاهم الذي يُطلِق لأحلامهم المادية العنان في التحليق لاسيما عندما يروا احوال المسلمين المتردية على كل المستويات مقارنة بأوضاع غير المسلمين فيجدون ملاذهم البراق ناهيك عن سفر بعضهم الى الغرب او حتى الشرق الأدنى مؤخراً؛ حيث يصابون بصدمات ثقافية مذهلة عندما يرون الحقيقة المادية التي يحلمون بها ماثلة أمام أعينهم مما يجعل نصف المتعلم يصطدم بضالته التي يبحث عنها دون أن يُحقق في الأمر او يبحث عن حقيقة وواقع النظام الذي انبهر به او عن حقيقة وواقع الناس الذين يعيشون في ظل هذا او ذاك النظام خاصةً عندما يخرج أنصاف المتعلمين هؤلاء في سِن الشباب الذي مايزال في طور التكوين المعرفي إضافة الى رغبته في إشباع حاجاته الفسيولوجية المختلفة.
 
 
لماذا يلحد المسلمون ويسلم المشركون
 
بينما نجد أن بعض المسلمين يتجهون الى الإلحاد او المُعتدِل منهم الى العلمانية كحل وسط بالإستسلام إلى مقولة  "الدين لله والوطن للجميع" نرى في المقابل ان الكثير من شعوب دول الشرق والغرب يسلمون بمجرد معرفتهم بروح الإسلام الذي يجدون فيه الرحمة والعدل والقيم الإنسانية دون أن يتأثروا بالبروبجندات المنتشرة عن إرهابيته ووحشيته المصطنعة.
 
إن إعلان الإسلام الذي اطلقته الفرنسية صوفي بترونين في وجه الرئيس الفرنسي ماكرون الذي حضر الى مطار باريس لإستقبالها بعد اختطافها في مالي من قِبل ما تسمى بجماعة مجاهدة وتغيير إسمها الى مريم فإنها لم تصفعه بهذا الإعلان صفعة قوية مدوية سمعها العالم بل انها لقنت القوى المهيمنة درساً إسلامياً لا يندمل وهالت على كل مخططاتهم ومؤامراتهم التراب. إنها ليست قصة فردية او إستثنائية منعزلة بل انها منتشرة كظاهرة تحدث يومياً على مستوى العالم ولذا لم يأتي إعتراف الرئيس الفرنسي من فراغ قبل قصة إستقباله لمريم عندما أعلن بتراجع العلمانية أمام الإسلام رغم الحرب الضارية ضده. 
 
لذا فإن توجه بعض المسلمين للإلحاد او العلمانية في أحسن الأحوال هو نتيجة قصور في معرفتهم لدينهم للأسباب المذكورة سابقاً من ناحية وعدم معرفتهم الكاملة بزيف الحضارة الغربية المادية من ناحية أخرى بينما يأتي توجه المشركين للإسلام كنتيجة لدراستهم العميقة للإسلام من ناحية، وخبرتهم الكاملة بحضارتهم المادية المزيفة التي تخرجوا منها والتي لا نعرف نحن عنها اكثر من القشور الماجنة والمثيرة للغرائز من ناحية أخرى. 
 
إذاً ..  الإسلام هو الأخطر في العالم من حيث إعاقته لكل الأنظمة العالمية المتعاقبة لأنه يحتوي في طياته على نظام عالمي شامل يتعارض مع نوايا وأهداف الأنظمة العالمية لاسيما النظام العالمي الإقتصادي الجديد الذي يستهدف تحويل ما يتبقى من البشر، بعد إبادة الغالبية، إلى عبيد يتم برمجتها كالآلات. وهنا أود أن أذكر البعض بأن الإسلام ليس مُجرد حالة دينية طقوسية او احتفالات موسمية كما يريد البعض تصويره كل عام بل انه في الأساس نظام روحي وسياسي وإقتصادي وإجتماعي متكامل ولهذا ينبغي ان لا نستغرب من كل المحاولات المباشرة والغير مباشرة التي تريد النيل منه وإسقاطه بشتى انواع الطرق والوسائل لأنه لا يمكن إقامة نظام عالمي جديد بمواصفاته اللاإنسانية بوجود الإسلام بل وبوجود حتى دين يكافح من أجل البقاء مثل بقايا الدين المسيحي كما يحدث حالياً في الولايات المتحدة الأمريكية. 
 
إذاً نحن أمام إشكالية عميقة جداً عندما ينظر شبابنا إلى أن الحضارة الغربية والعلمانية والمادية وغيرها من المسميات هي المَخرج لأنه لا يستطيع أن يرى بأن شباب هذه الحضارة "المتقدمة" وشيوخها وعواجيزها يبحثون عن مخرج ولا يجدون أمامهم من سبيل سوى اللجؤ إلى الإسلام رغم كل ما تراكم عليه من طبقات كثيفة من الغُبار الأسود بعناوين مزيفة مثل حرية المرأة والحجاب ومساواة المرأة بالرجل والقائمة تطول التي صدقنا بأنها الأسباب التي تقف وراء تخلفنا بينما الأسباب الحقيقة هي أننا تركنا جوهر الإسلام وتظاهرنا بقشوره التي تتطاير تدريجياً كل يوم {ليظهره الله على الدين كله ولو كره المشركون} لكنهم ﴿ يُرِيدُونَ لِيُطْفِئوا نُورَ اللهِ بِأَفْوَاهِهم وَاللهُ مُتِمُّ نُورِهِ وَلَوْ كَرِهَ الْكَافِرُونَ ﴾
أعلى الصفحة