كتب: عبدالباسط الحبيشي

 

مقدمة:

لابد لي في البداية من التنبيه بأن هذا المقال لا يغرد خارج الأحداث بل انه في قلبِها. كل مافي الأمر أنه يُغرد خارج الإعلام العالمي الطاغي المُزّور الذي تعّود ان يكذب على الشعوب وتعودت ان تصدقه.
وفي مثل هذه الحالة الظلامية لابد من إشعال ولو شمعة لتبديد حالة الظلام لأنه من الصعوبة على المرء في مثل هذا الوضع ان يُشعل ناراً، لذلك ماعليه الا ان يتبع مقولة نزار قباني: "ليس كل شيء في القلب يُقال .. لذلك خلق الله التنهيدة، الدموع، النوم الطويل، الإبتسامة الباردة .. ورجف اليدين"

إلى العرض:
هجر الكثير من مواطني العالم بلدانهم الى أمريكا واوروبا ليس فقط من أجل العيش بكرامة وحسب بل ان الكثير قد هرب من إجراءات الكبت والقمع والحصار الفكري والثقافي والسياسي ومنهم من هاجر طواعيةً او قسراً طلباً للحرية التي حُرم منها في وطنه وذلك من أجل ان يتنفس الصعداء في حرية القول والتعبير والإستفادة من تبادل الرأي والرأي الآخر دون مصادرة حقوقه الإنسانية بما فيها البحث العلمي والثقافي من اجل الإرتقاء بنفسه وروحه نحو الحق والحقيقة.

لأن الحقيقة اياً كانت في البلدان التي غادرها أمثال هولاء قد تم أحتكارِها وتأطيرها في قالب مُغلق من قِبل الطائفة الحاكمة في العديد من دولهم وبات مُحرمٌ على الإنسان مجرد محاولة البحث عنها طالما انها اصبحت ملكاً حصرياً للسلطة، ولا يمكن البحث عنها عن طريق ممارسة الإنسان لحرية الفكر والعقيدة او غير ذلك، وإن كان ولابد من وجود حقيقة غير الحقيقة التي تمتلكها السلطة فينبغي إلغائها ومصادرتها او قرصنتها بالقوة وإما الحرب.

ويذهب الكاتب الشيوعي كارل ماركس في هذا السياق "بأنه لا توجد حقيقة لنبحث عنها بل اننا من نخلق الحقيقة التي نريدها" ويضيف "بإن الغاية من التاريخ هي ليس لفهمه ولكن لصناعته"، اي ان السلطة فقط هي التي يحق لها ان تحتكر الحقيقة التي تراها وتصنع التاريخ الذي تكتبه لنفسها لأنها بطبيعة الحال تقوم على سياسات القمع للفرد ومصادرة الحريات. وهذه في حقيقة الأمر دعوة لإلغاء كل العقائد والعادات والتقاليد والفكر بل والتاريخ نفسه. ومن خلال ما يحدث اليوم في أمريكا من نزاع سياسي إقتصادي وفكري هو نتيجة ان طرف يريد ان يفرض نظامه وفكره وثقافته على الطرف الآخر عنوةً، وذلك عن طريق إلغاء الحريات التي عاش وتعود عليها الشعب الأمريكي والمنصوص عليها بالدستور والتي هاجر من اجلها الناس بلدانهم ليستفيدوا منها وليتنفسوا نسائم الحرية، لذا عندما يقال ان طبيعة الصراع في أمريكا اليوم هو صراع عنصري بين البيض والأقليات فهذا محض إفتراء، او ان يُقال بأن ترمب يقوم بإنقلاب على الديمقراطية، وهذا ايضاً إفتراء آخر لأن ما يحدث هو العكس من ذلك تماماً.

إن الأقليات التي هاجرت بلدانها هروباً من القمع والبطش الى رحاب الحرية ترفض اليوم الإعتداء على القيم الأمريكية وعلى دستورها الذي منحها حقوق لم تعهده في بلدانها الأصلية والذي يحاول الطرف الآخر، الذي يدّعي "الديموقراطية"، إنتزاعها من خلال تزوير الإنتخابات بشكل غير مسبوق حتى يتسنى له تنصيب دُميات في السلطة بشكل كامل ليتسنى له تنفيذ اجنداته القمعية كلها دون رقيب او حسيب وذلك على غرار مايقوم به في بلداننا العربية. ولذلك ارى ان معظم المؤمنين في وطننا العربي والإسلامي قد تحولوا فجأة من أنصار الله الى أنصار الشيطان الذي هو رب الشيوعية والماركسية واللينينية والغيفارية لمجرد ان الرئيس الأمريكي دونالد ترمب يحاول ان يجفف المستنقع الداخلي في بلاده من سيطرة فكر الملحدين والشيوعيين والكفار والمشركين بالله الذين يحاولون إكمال مشروع إختطاف بلاده ليمارسوا فيها وعليها سياسات القمع والإرهاب الفكري التي طالته هو نفسه من مؤسسات الإعلام والتواصل الإجتماعي التي يمتلكها الطرف الآخر. لكنه ربما لا يعلم ان حركته هذه ستُسقط على طريقها ايضاً جماعات المنافقين من دولنا الى نفس المستنقع الذي يعمل على تجفيفه .. ولهذا فإن الرسائل المتتابعة لمذكرات النوايا من قِبل وزير خارجيته، الذي انهى مهامه وغادر فترته اليوم، والتي تقوم بتصنيف الجماعات والأفراد على مستوى العالم في قائمة الإرهاب لم تكن عبثاً بل خطوة أخيرة للتأكد من حقيقة كل المواقف والنوايا المعلنة وتحديد الانتماءات الحقيقية لكل هذه الجماعات لما لهذه المعرفة من أهمية في المرحلة القادمة.

الحقيقة:
إن الرئيس ترمب ياسادة لم يُفّجِر حتى الآن حرباً في اراضيكم ولم ينتهك حرمات بلدانكم كما قام به رؤوساء ومؤسسات أمريكا السابقين بل انه على العكس يريد ان يتخلص منهم لما ارتكبوه من جرائم في بلاده هو، ولذلك قامت ضده كل مؤسسات أمريكا السياسية والتشريعية والقضائية والإعلامية .. فكيف تكونون انتم ضده ايضاً ؟؟ .. إن مؤسسات أمريكا التي تكيلون لها الشتائم ليل نهار وتحملونها كل فشلكم وخيباتكم وخياناتكم وهزائمكم أتى الرئيس ترمب لمحاربتها جميعاً ليس من أجلكم طبعاً ولكن من أجل بلاده وشعبه .. فلأي قبلةٍ تتوجهون بصلاتكم أنتم إذن ؟؟ افلا تعقلون !!

إن نفاقكم بات مكشوف للغاية وبنفس الدرجة التي انكشفت فيها مؤسسات أمريكا والكثير من الأنظمة العربية التي رفع الرئيس ترمب عنها الغطاء، وبدعمكم الآن لهذه المؤسسات التي يحاربها الرئيس الأمريكي ترمب ولو حتى باللعان والشتم يعني انكم منها واليها وتعملون لديها ضد شعوبكم، يعني انكم تُصَلون لإبليس الرجيم وتتبعون خطواته وبرامجه بإعتباركم جزء من المستنقع الذي يسعى ترمب الى تجفيفه. لا شك انكم تعرفون جيداً بأن في السياسة لا يوجد عدو دائم ولا صديق دائم بل مصالح مشتركة فكيف ضاعت عليكم هذه الصعبة عندما حان الوقت لمحاربة إبليس الرجيم او الشيطان الأكبر الذي تعلقون على شماعته كل هزائمكم. 'هل انقلبتم على اعقابكم' ؟ ياسبحان الله .. ماذا انتم فاعلون عندما ينتصر الرئيس ترمب وأنصار ترمب؟؟ وهذا وارد ومُحقق، فلا شك عندها سيأتي الدور عليكم، ليس من الرئيس الأمريكي القادم دونالد ترمب بل من شعوبكم عندما يكتشفون الحقيقة.

إن المستشارة الألمانية ميركل التي تقف على نقيض من توجهات وسياسات الرئيس الأمريكي بل ربما انها تكِن له حقداً شخصياً، لم تهزئ او تتشفى به مثل مؤمني عالمنا العربي والإسلامي لما يواجه من حرب في بلاده بل خرجت وأعترفت بأن ما يحدث للرئيس الأمريكي من قِبل المؤسسات الأمريكية يُعتبر خطاءً فادحاً لا يمكن قبوله ولا يمكن السماح به لأنه يتيح لنظام الإستبداد والقرصنة التوغل في العالم الحُر والقضاء نهائياً على الديمقراطية. لكنها دون شك تعلم بأن عالمنا لم يعرف منذُ نهاية صدارة الإسلام لا الحرية ولا الديمقراطية ولا يفهم حتى معناها لذلك لا غرو بأننا لا نعلم معنى او قيمة ان يتم حجب ما يريد اي إنسان ان يقوله ويُعبر عنه للعالم الذي يعيش فيه. ولهذا وصلت خسارة فيسبوك الى ٥١ مليار دولار. وخسارة تويتر الى ٦ مليار دولار بسبب إلغاء عشرات الملايين من الأحرار حساباتهم في هذه المنصات.

الخاتمة:
السؤال الذي يصرع نفسه بقوة على عرض جدار من الخرسانة المُسلحة بالحديد والاسمنت هو: هل قيادات محور المقاومة الكبار لا يعرفون حقائق الأمور وتقلبات السياسة لدرجة انهم مُضَلَلين الى هذا المستوى من قِبل اجهزة استخباراتهم ؟ أم انهم يقومون بتضليل شعوبهم .. ؟؟ هذا ما ينبغي ان يردوا عليه !!!

نحن نرى في الأفق ان ثورة أمريكية جديدة قد تم الإعداد لها منذُ فترة طويلة وستنبثق خلال الأيام والأسابيع والأشهر القليلة القادمة. أمريكا جديدة ستتخلق وستهدم كل المكائد والمُخططات السابقة بما فيها النظام العالمي الجديد والحوكمة والعولمة والحكومة الكونية والشرق الأوسط الكبير والفوضى الخلاقة .. كل هذه الشخابيط والخرابيط والخزعبلات ستُرمى الى مزابل التاريخ وستسهم في تغيير كل دول العالم بما فيها الصين نفسها التي تقود حالياً المعسكر المضاد، ومن يريد ان يستمر بالمزايدات المضحكة او ان يظل متمسكاً بالأجندات الشيطانية لخدمة مصالحه الخاصة وتضليل شعبه فعليه ان يدرك من الآن وصاعداً بأن موازين القوى كلها ستتغير وان ثورات الشعوب قادمة في كل بلدان العالم التي ستقتلعه من جذوره مالم يعيد حساباته ويُكفر عن سيئاته وأخطاءه فوراً. {وسيعلم الذين ظلموا اي منقلبٍ ينقلبون}

أعلى الصفحة