قادري احمد حيدر


*قبل البداية :

خلال السنوات الخمس المنصرمة كتبت عشرات الموضوعات حول السلام، ورؤيتي لمفهوم السلام والحرب، قلت فيها بعض ما أراه، دون إدعاء أنه الحقيقة، بل وجهة نظر حول قضية السلام، قد تحتمل الصواب من وجهة واحدة، بقدر ما تحتمل الخطأ من أوجه عديدة وفقاً لزاوية النظر المقابلة لما أتصور، وهي موضوعات تحتويها دفَّتا كتاب جاهز للنشر حين يحين الحين، سميته"السلام وكفى!!".
وكل ما أكتبه وسأكتبه حول معنى السلام يندرج تحت هم/أو حتى وهم بلورة رؤية وموقف سياسي، وطني، تجاه قضية السلام
والحرب في اليمن.

إننا اليوم وفي ضوء الشعارات الملتبسة، والمتوهمة حول السلام المطرز بالعصبية، والمدجج بالعنصرية، وبالخوف من قول الحقیقة كما هي، أو في أحسن الاحوال المحروسة بالنوايا الطيبة – كما هو عند ومع البعض - التي غالبا ما تؤدي إلى جهنم، نجد أنفسنا بحاجة ماسة إلى أن نعيد قراءة السلام، أن نعيد اكتشاف رؤيتنا للسلام:

أي سلام نريد؟
هل نريد سلام صفوة الشعارات المكرسة للاستهلاك المحلي،والخارجي؟

أو ذلك السلام الذي تدعمه وتموله منظمات أجنبية لأغراض خاصة بها،على طريقة "نشر الديمقراطية والسلام"، كما عرفناه مع هيلاري كلينتون، وغيرها ،وفي أكثر من بلد عربي والتي قادت لتدمير سوريا، متكئة على حال الحكم العائلي/العلوي، وفي غزو واحتلال العراق تحت كذبة أسلحة الدمار الشامل، قطعاً ليس حباً في تعميم الديمقراطية والسلام في منطقتنا، وإنما لاستكمال السيطرة على المنطقة وثرواتها، وموقعها الاستراتيجي خدمة لمصالحها، ولمصالح الكيان الصهيوني، ولكن نقطة انطلاق الخارج إلى داخلنا في سوريا والعراق وليبيا الخ،كانت القابلية الداخلية للاستقواء بالخارج "القابلية للاستعمار"،/حسب تعبير مالك بن نبي " قابلية راكمتها وصنعتها أنظمة الاستبداد التاريخي، وهو ما يجب أن يكون مفهوماً وواضحاً، حتى تستقيم القراءة، وينبني التحليل على قواعد وأسس صحيحة، وهذا ليس تبريراً أو شرعنة للمشاريع الاستعمارية التي فتح لها ثغرة إلى داخلنا استبدادنا الداخلي العنيف والطويل!! ويمكننا قياس ذلك على ما يجري في داخلنا منذ عقود، ومنذ سنوات ست مؤخراً، حين انقلبنا-أو بعضنا -على اجمل وانبل عملية سياسية/حوارية/سلمية، وذهبنا لتعميم خيار الحرب، بدلاً عن السياسة، والسلام، والحوار.

وما سبق هو أول مقدمة نقدية سياسية يجب أن تعلن وتقال في كل ما نكتب، ومع أول، وكل دعوة للسلام، لتكون الأمور السياسية مفسرة وواضحة وشارحة لما نحن فيه ولما نريد.. فهل ممكن أن نبدأ من هنا؟ ولا نقفز على الأسباب، إلى النتائج، وبعدها ندخل لشرح تفاصيل خطابنا حول السلام، والحرب وهي من الكثرة وتطال كل المعنى الوطني والتاريخي لنا.

إن ما نصبو اليه، ونحلم به هو سلام ينتج حالة استقرار وسلم اجتماعي مستدام، يغلق أفواه الحرب الشرهة، المفتوحة على شهية / وشهوة الوصول إلى السلطة وبأي ثمن، التي تقود سياسياً، وعملياً، إلى توسيع دائرةالقتل، "أنا ومن بعدي الطوفان"!!.

جميعنا يطلب السلام وينادي به، لأن الغالبية العظمى منا في الأصل والمبتدأ متضررون من هذه الحرب، لأننا على الأقل بدون رواتب،وبدون مساكن خاصة، وانعدمت جميع مصادر دخلنا بسبب هذه الحرب القذرة.. ولكن السؤال كيف نوقف الحرب؟ وبمن؟

وهل يكفي أن نعلن دعوة سياسية عامة مجردة، على طريقة "السلام وكفى"؟!!

لم يدرك البعض أن إمكانية حكمه بمفرده ولوحده مع جماعته، لكل اليمن، أو حتى لقسم منه أمر في غاية الصعوبة،(مناقض لحقائق الحياة والتاريخ)، وأن السير في هذا الطريق المستحيل، ليس سوى عبث وجنون، ولكنها المصالح حين تصغر، وتستبد بالبعض أوهامه الخاصه،(العنصرية)، فإنها تقود إلى ما لايحمد عقباه، وهو ما نعيشه اليوم، في صورة محاولات يومية لا تتوقف لإعادة كتابة تاريخنا السياسي والثقافي والتعليمي والوطني بأثر رجعي، وهو ما يقفز عليه البعض، وكأنه يحدث في واق الواق، أو كأن ذلك لايعني لهم شيئا.

نحن الفقراء من كل شيء، الاغنياء بالكرامة حتى النخاع، ومن كل المناطق والشرائح والقبائل والفئات والمذاهب والجهات من يدفع ثمن هذه الحرب، ولكن علينا -على الأقل- ونحن ندفع هذا الثمن الباهظ والفادح من خلاصة أرواحنا، أن نعرف كيف وصلنا إلى هذا المآل ولماذا؟ وكيف كانت البداية؟ وحجم مسؤولية ومشاركة كل طرف.

نعلم أننا سنصل في الأخير إلى السلام، ولكن الأكثر أهمية أن نصل إلى ذلك عبر رؤى سياسية،
واضحة للحرب وللسلام، لنتخفف من تكراره ثانية، حتى لا نجد أنفسنا نعود في كل مرة إلى ماكُنا إليه.

ويبقى هنا سؤال، هل من ذهب لخيار الحرب، ذهب إلى ذلك اعتباطا، وعفو الخاطر، لأنه لم يدرك أهمية السلام؟ أهمية الوحدة الوطنية واليمنية، وضرورة وجود الدولة الوطنية المدنية الحديثة؟!

هل هو الجهل والأمية بالواقع والتاريخ، أم هو الوعي الأيديولوجي العميق بالأهداف عند البعض؟

إن المسألة ليست دعوة مجردة للسلام، وايقاف الحرب، بل إدراك حقيقة المشاريع، والمصالح، والغايات البعيدة من وراء ذلك، ومن هنا يأتي حديثنا عن رؤى سياسية برنامجية، ذات طابع وطني، متوحدة بمواقف سياسية مقاومة لكل هذا العفن السائد، من الشمال إلى الجنوب.

التحليل السياسي للحرب والسلام في بلادنا، يبنى على الحقائق والوقائع، وليس على التمنيات(التفكير بالتمني)، حول السلام.

في تقديري أن السلام ليس كلمة، أو جملة نرميها على الورق كيفما اتفق ؛ السلام في بلادنا اليوم مرتبط بجملة التطورات الوطنية والإقليمية والدولية التي يفهمها البعض أفضل منا، أي أن الحرب لم تعد يمنية، يمنية كما يشير إلى ذلك الجميع، هناك أطراف خارجية صارت نافذة ومقررة في كل ما يجري في البلاد ؛ السلام اليوم له صلة، بانتهاك السيادة الوطنية، وبفقداننا للقرار السياسي الوطني، له صلة بوحدة الارض اليمنية، وبمستقبل بناء الدولة المدنية الحديثة المنشودة، باختصار، السلام له صلة بالموقع والمكانة، الجيو/سياسية، (الاستراتيجية)، لبلادنا وللمنطقة العربية.

والدليل على ذلك ما يجري في سوريا والعراق وليبيا، وما يجري في كل يوم في بلادنا، شمالاً وجنوباً، وهنا أشير إلى ما جرى وحصل في مدينة"سيؤون"-كمثال- منذ حوالي سنة ونصف، أكثر، أو أقل، من دخول فرق، وألوية عسكرية سعودية، وإماراتية، إلى ترابنا الوطني المقدس باسم وذريعة عقد البرلمان، بل وبدون ذريعة كما في المهرة وغيرها، تمهيداً وتأسيساً للحضور العسكري/الاحتلالي للسعودية، والإمارات في كل الجغرافية السياسية للبلاد اليمنية.. من عدن إلى لحج وأبين وشبوة وسقطرى والمهرة، وماتبقى من حضرموت، حتى المحافظات الشمالية:تعز، المخا، الحديدة سواحل وجزر اليمن..فهل بعد كل هذه الاحتلالات يصح ويحق لأحد أن يتكلم عن السلام، كشعار بدون رؤية، ولاموقف سياسي، وطني واضح حول كل ما يجري في البلاد، وكأن ترديد مفردة السلام توجز القول الفصل كله، على طريقة "السلام وكفى"!! .

بعد أن أصبحت؛ الأرض، والسيادة، والاستقلال ، والكرامةالوطنية في خبر كان..أي سلام هذا الذي يدعوننا إليه البعض !!

وهل يراهن، أو يرى بعض دعاة السلام أن القوى المستفيدة من الحرب، وهي الأطراف النافذة داخليا، وكذا الاطراف الممولة والمقررة خارجياً، مؤهلة لتكون جزءاً من مشروعه/ مشروعنا للسلام، وللحل؟!

أو أننا في انتظار قوى "قدرية" "غيبية" لتنوب عنا في إنتاج الحلول وصناعة السلام؟.

إن تجارب السياسة والتاريخ تعلمنا أن مفجري الحروب، صناع ومنتجو الأزمات/المشاكل، لا يمكنهم أن يكونوا جزءاً من السلام / الحل، إلا إذا اجبرتهم شروط سياسية جديدة، وقوى سياسية/اجتماعية، حية ومن خارجهم على ذلك.

إن سرديات التاريخ تقول لنا أن من يفجر الحرب في أي مكان ينتظر تحقيق هدف سياسي، أو إقتصادي، أو يريد الوصول إلى السلطة لتحقيق كل ذلك، ولن يتوقف عن ذلك ليقبل بشروط السلام، إلا حين يقف في وجهه وفي مواجهته حامل راية السلام بمشروعه وبمواقفه المناقضة له.. لأننا لم نسمع أن الحية تلد عصافير، أو ترمي كتاكيت.

هي أسئلة مفتوحة للقراءة للجميع.

في جعبتي جملة طويلة من الاعتراضات على اتفاق الرياض الذي صاغته وسوقته السعودية، ووقَّع عليه طرفا الاتفاق، ومع ذلك لم ولن ينفذ وهو ما كتبته في حينه.. لأن تنفيذ البعد العسكري والأمني فيه يتناقض مع مصالح واستراتيجية دولة الإمارات في وضعها المتناقض القائم اليوم:
هي محتلة، ومعوقة لبناء الدولة في اليمن، من جانب، وهي من جانب آخر جزء من الحل تحت غطاء ما يسمى التحالف،معادلة متناقضة!! ومع ذلك لم ينزع عنها عبدربه منصور شرعية وجودها في البلاد!! حتى نقاضيها أمام منصات وهيئات المجتمع الدولي ،خضوعاً لرغبة السعودية.

وفي ضوء كل ما سبق، من المهم، ونحن نتحدث عن السلام المرتجى أن تكون هذه الصورة واضحة وحاضرة في بنية خطابنا للسلام.. فالسلام ليس مفصولا عن كل ذلك.

إن ما يهمنا اليوم هو إعادة تعريف مفهومنا النقدي/والمقاوم، للسلام في مضمونه السياسي والوطني والاجتماعي والديمقراطي المفتوح على فضاء المواطنة المتساوية، وليس الحق في الولاية، فضاء بناء الدولة المدنية الديمقراطية.. فضاء التقدم الإنساني، وأن نكشف ونكتشف معاً ووفقاً للملابسات القائمة ما معنى السلام الذي ننشده .

إن أول وأخطر المعوقات لتقدمنا نحو الدولة المدنية الحديثة، وبالنتيجة نحو السلام، هو ادعاء أي منا أنه يمتلك الحقيقة حصراً في ذاته وذريته من بعده (السلالة) ،وأنه الأحق بحكمنا رغماً عنا، وإلى ما شاء الله!!. هنا بداية القول، وبداية السلام، بداية الكلام التاريخي نحو عتبة السلام المنشود.

والمعوق أو العائق الثاني، هو أن نجد أنفسنا أمام "شرعية"، تتآكل، شرعية مشغولة بنفسها ومصالحها، و"زبانيتها"،اختصرت مفهوم الشرعية في إسمها الذاتي/الشخصي،وليس في دولة المؤسسات ولذلك لم يتبق منها سوى الاحتلال الخارجي"العدوان "،..تحالف أو احتلال يتناقض وجوده مع قيام ووجود دولة وطنية يمنية حديثة، سواء في الشمال أو في الجنوب، ناهيك عن دولة للوطن اليمني الموحد،(وهو الذي تعارضه سياسياً وعملياً الامارات علناً)، وهو موقف سياسي عدائي تاريخي، قديم، يتجدد للسعودية ضدنا مع كل محاولة لنا للإصلاح أو للتغيير في البلاد .

مرة قال احدهم إذا كانت حليفتك السعودية، فلست بحاجة إلى أعداء، وأضيف إلى السعودية اليوم الإمارات وهي الاقذر والاخطر، في العداء لليمنين، بل ولكل اتجاه عروبي، وديمقراطي في المنطقة.

والعائق الثالث وهو الأشد بشاعة، أن يسعى البعض إلى فرض هذا الوهم "وهمه" عبر أدوات القوة والقهر (الحرب/الميليشيا)،أو عبر الأدوات الناعمة من خلال بعض أدواته في الداخل والخارج، وهو الأسوأ، لأنه لا يدافع هنا عن خيار سياسي، بل عن حق آلهي .. وبالنتيجة لا يرى الوطن سوى أنه وهمه/حقه الخاص، وهنا لا يصبح لدى هذه الجماعة، أي معنى للمواطنة، وللسيادة الوطنية وللسلام على الأرض... وفي هذا السبيل لا مانع عنده شرعياً من "الجهاد التكفيري" ضد كل من يقف في طريق انجاز وتحقيق ذلك الوهم وبالقوة المسلحة القاتلة/ المقتولة معاً، قوة/ وجماعة تلغي السياسة، والمجال السياسي، والمدني السلمي كله بالحرب للوصول لغايتها وبغيتها،يكون السلام معها وعندها في قائمة الاعداء .

والعائق الرابع، أن يجد هذا الخيار /المعوقات ،الطريق السياسي أمامه معبداً مفتوحاً: لا مكونات حزبية/ سياسية فاعلة، ومعارضة لكل ما يجري في شمال البلاد وجنوبها، وقيادات حزبية منهمكة ومشغولة حتى النخاع بمتابعة همومها الخاصة، وطبقة وسطى فككت ودمرت بوحشية، على مدى ثلاثة عقود، وبقاياها يحاصرها الجوع، ومصادرة الراتب والوعيد والسجن حتى القتل أو الموت جوعاً وانتحاراً.. والأنكى أن يجد هذا المشروع في صيغه المختلفة من السياسي الداخلي، إلى الاحتلالي الخارجي، حتى الآلهي (الداخلي، الخارجي)، من يخفف من وطأته وخطورته، تحت شعارات "السلام" ،أو مقاومة العدوان، بعد تحويل النتائج المأسوية أللا انسانية القائمة على الارض، إلى مدخل ومبرر لفرض حلول سياسية/تسويات، تتقاطع وتتماهى مع مشروع الانقلاب ، وهنا تلتقي مصالح الانقلاب ، والتحالف، وأطراف الشرعية، وبعض دعاة السلام، في صورة عناق يستديم الحرب، ولا مانع من هدنة سلاموية، بين كل حرب وحرب، وكأنهم معاً يتحركون بإيقاع هارموني واحد ومنسجم لإعادة إنتاج منظومة النظام القديم في تفاصيله الكريهة ولكن في شروط عصر مغاير.

اليوم لم تعد الحرب العسكرية قائمة كما كان عليه الحال من أربع، وثلاث سنوات، فقط مناوشات عسكرية هنا وهناك،تشتد وتخفت، في انتظار تسوية سلاموية تطبخ على نار الدم واللحم اليمني الحار، وبعيداً عنا نحن اليمنين أصحاب المصلحة، في الحصول على سلام مستدام، وليس هُدَناً حربية مؤقتة، هي فاصل موسيقي جنائزي، بين حربين.

إن السلام ليس خياراً وحيداً للإنسانية السوية فحسب ، بل هو حتمية وضرورة للتقدم الاجتماعي والإنساني المنشود، على طريق حضارة عالمية إنسانية واحدة، ولا خيار أمامنا سوى قلب معادلة الانقلاب والحرب والاحتلال رأساً على عقب ، بالعمل السياسي والمدني لإنزال القوة/ الانقلاب، والقوة/الإحتلال ،والقوة الميليشيات، من عليائهم، ورفع راية الحق السياسي والوطني اليمني فوقهم جميعا، لتستقيم السياسة على منطق العمل السياسي المدني
فرحلة الألف ميل تبدأ بخطوة.

نأمل، بل ونريد أن ننتصر للسلام الحقيقي على الأرض، وليس للترويج للسلام الإعلامي الذي يستدير لمعانقة الحرب، وباسم "السلام" .
معاً.. حتى لا يتحول الانقلاب، وا لحرب، والاحتلال، والميليشيات، إلى واقع مستدام، باسم السلام، ومقاومة العدوان،أو تحت شعار استعادة الشرعية.

والله من وراء القصد.

أعلى الصفحة