كتب: عبدالباسط الحبيشي

قلَبت بين الكثير من القراءات والإستنتاجات كي اعرف سبب زيارة البابا للعراق، في توقيت غريب من نوعه، التي انتهت قبل ايام، فوجدت ان كل التحليلات تعتمد على الفرضيات التاريخية والأرضيات السياسية الإيديولوجية وعلاقات الفاتيكان الدينية ببقية الأديان وماشابه ذلك من ادوار للبابا والفاتيكان في قضايا السلام المزعوم في الحقبات الماضية ماقبل الإنتخابات الإمريكية الأخيرة.

في رائي ان كل التحليلات التي قرأتها قد فشلت بتقديم اسباب منطقية للزيارة في هذه الفترة الحرجة التي تقلصت فيها حتى الزيارات الرسمية الهامة بين الدول في ظل الجائحة الكوفيدية والمتغيرات السياسية والإقتصادية الملتبسة التي تسيطر على العلاقات الدولية اليوم. لقد فشلت هذه التحليلات لأنها أنكرت جملةً وتفصيلاً التطورات الأخيرة على الساحة العالمية لاسيما في الولايات المتحدة الأمريكية وتأثيرها الكامل على عموم الخارطة السياسية. ويأتي هذا الإنكار اما خوفاً او جهلاً لسيطرة الدولة العميقة في العالم على كل القوى التابعة لها لاسيما في وطننا العربي.

لم يشر احد مثلاً بأن السيستاني قد اشترط بإصرار لقبول لقاءه مع البابا بأن يكون منفرداً دون حضور لأي ممثل عراقي عن الحكومة العراقية لأي سببٍ كان وهذا بحد ذاته يعني ان زيارة البابا للعراق لم تكن زيارة إنسانية برئية كما تم تصويرها وتخلو من الأهداف السياسية العميقة المتعلقة بالمنطقة ولا اعتقد ان مصدر هذا الشرط من السيستاني نفسه رغم انه هو من طلبه، وقد فات الجميع الإهتمام بهذا الموضوع ناهيك عن متابعة هذا الخيط وتحليله بشكل دقيق. المشكلة في ذلك هي ان انظمة العالم العربي والمنظمات والمكونات التابعة لها مازالت تتعاطى مع السياسية العامة لاسيما في العلاقات الدولية بالأنماط والأفكار التقليدية السابقة او القديمة التي كان من ضمن خطوطها الرئيسية على سبيل المثال رسم خارطة جديدة للوطن العربي او ما يسمى بالشرق الأوسط الكبير دون ان يعلموا ان هذا المانشت قد سقط. وايضاً التعويل على بناء النظام الإقتصادي العالمي الجديد بقيادة الصين وعلى احتمال الحرب العالمية الثالثة بين أمريكا والصين ويتجاهلون عن قصد او عن غير قصد ان هذه السيناريوهات التي كان يروج لها الكثير من الأبواق العربية مثل طلال ابوغزالة وأمثاله قد تغيرت وتغيرت تبعاً لذلك طبيعة الصراع العالمي برمته لاسيما منذ فترة الرئيس دونالد ترمب وبالذات بعد إنتخابات 2020. لم يعد الصراع المفتعل بين الدول التي كانت تدير ازماته نفس القوة العالمية الخفية الوحيدة كالسابق.
الصراع اليوم قد اختلف تماماً واصبح بين قوتين لا ثالث لهما، القوة التي تتمثل بالجيش الأمريكي الذي يحكم امريكا ويسيطر على مناطق ودول كثيرة في العالم وبين الحكومة العميقة او المافيا الخفية المنتشرة في كل دولة على حدة والتي يتساقط رموزها وقلاعها اليوم وعلى رأسها حكومة الفاتيكان والدولة التي كانت لا تغرب عنها الشمس اللتان كانتا تحركان خيوط الدُمى في دول العالم نيابة عن المافيا الدولية، لكن مايميز حرب اليوم عن غيرها من الحروب العالمية السابقة انها حرب عالمية صامتة تدور بخفاء لأنها حرب اليكترونية بيلوجية وبائية وكل فحص او لقاح يتعاطاه اي فرد بكل رضاء وطمأنينة تحت غطاء وباء كوفيد هي عبارة عن بديل صامت لكل رصاصة يمكن اطلاقها على اي فرد في هذه الحرب.

ومن هذا المنطلق تأتي زيارة "البابا" الذي تم تكليفه من قِبل إدارة الحرب الصامتة ضد قوى الجريمة التي لا يقصد منها زيارة العراق والمناطق المقدسة بشكل مباشر في رائي بقدر ما تستهدف هذه الزيارة الغريبة والعجيبة إرسال رسالة قوية ينقلها السيستاني للقيادة الإيرانية التي فشل الرئيس ترمب ان يوصلها بسب تعنت الإيرانيين ورفضهم في السابق التعاطي معه بشكل مباشر. سبب الزيارة الأساسي من وجهة نظري هي تكليف السيستاني بنقل رسالة للقيادة الإيرانية مفادها بأن الوضع قد تغير وان اللعبة القديمة قد انتهت وان الحلفاء القدامى قد تغيروا ايضاً بما فيهم الفاتيكان نفسه الذي يمثله البابا والذي اصبح هو نفسه مجرد (ساعي بريد) وهذا بحد ذاته دليل قطعي وحسمي للقيادة الإيرانية بأن الظروف كلها قد تغيرت بما لا يدع مجال للشك. كما ان اختيار السيستاني بالذات من جانب آخر للقيام بالمهمة نفسها لم يكن اعتباطياً بل لما يحضى به من احترام وتقدير كبيرين لدى القيادة الإيرانية ممثلة بآية الله خامنئي.
كما تضمنت الرسالة ولا شك آفاق المستقبل الواعد وإتاحة الفرصة لفرض السلام في المنطقة من خلال التخلي عن سباق التسلح والسلاح النووي ونبذ الخلافات السياسية والمذهبية وخلق علاقات ودية وطبيعية مع كافة الدول لما يخدم مصلحة شعوب المنطقة والعالم.

ان هذه الزيارة الفريدة من نوعها ستترك أثراً بالغاً على مختلف الصُعد السياسية في منطقة الشرق الأوسط وسنرى جميعاً آثارها ومعطياتها الإيجابية في الأسابيع والأشهر القادمة بإذن الله.

أعلى الصفحة