muhmadmakleh

بيان المصدر المسؤول الصادر يوم أمس الأول عن وزارة الداخلية بخصوص الأحداث بعمران لم يكن صحيحاً، كما لم يعبر عن سلطة مسؤولة تجاه ما حدث بالضبط، وتجاه الضحايا من الطرفين، بل كان بياناً سياسياً منحازاً في توصيفه للأحداث من ناحية، ومستفزاً في أهدافه ومضامينه بدرجة عالية لأسر الضحايا ولأبناء عمران عموماً من ناحية أخرى، وهو ما جعل وسيجعل لهذا البيان الفضيحة تداعيات خطيرة على الوضع الأمني في محافظة عمران، وربما أكثر من الحدث نفسه إذا لم يتداع العقلاء للحد منها وبأسرع وقت ممكن.

مظاهرات احتجاجية معلن عنها ومرتب لها سلفاً، وتعرف عنها السلطة المحلية جيداً وهدفها واضح ومعلن مسبقاً وهو التعبير عن رفضهم غالبية أبناء عمران- وليس الحوثيين فقط - لسياسة السلطة المحلية والمطالبة بتغييرها، وهذه المسيرة ليست الأولى من نوعها في عمران ولنفس الأغراض، كما لم تكن الأولى التي يحمل فيها المشاركون فيها أسلحتهم الشخصية مثل كل أناس في تلك المناطق.

ثم ورغم كل هذه الحيثيات المعروفة وبقرار سياسي من صنعاء كما يبدو تقرر السلطة المحلية فجأة اعتراض عدد من المشاركين فيها بالقوة وتمنح الأوامر للنقاط المستحدثة بإطلاق الرصاص الحي عليهم وارتكاب مجزرة في حقهم بدون مبرر ذهب ضحيتها 6شهداء، وأكثر من 10جرحى، بالإضافة إلى اعتقال وإخفاء آخرين.

لم تكتف السلطة وجهات معينة فيها بالجريمة، بل سارعت وعبر وزارة الداخلية إلى إصدار بيان سياسي وقح يقلب الحقائق رأساً على عقب ويدعي بأن مسلحين حوثيين اعتدوا على نقاط عسكرية، ما أدى إلى مقتل جندي وإصابة 3 آخرين دون الإشارة إلى أي من ضحايا المجزرة لا ضمناً ولا تصريحاً، وكأنهم ليسوا مواطنين يمنيين، بل بعضاً من متاع الأرض والعفش الزائد الذي يجب التخلص منه بعرف وزير الداخلية وجماعته الأيديولوجية.

بيان المصدر المسؤول أكد بوضوح أن المجزرة لم تكن سوى المرحلة الأولى من خطة مبيتة هدفها استثمار الجريمة وتوظيفها سياسياً باتجاه إيجاد مبررات لزج الجيش في حرب سابعة مع أنصار الله من ناحية، وفي تأليب المجتمع المحلي والدولي على أنصار الله باعتبارهم جماعة خارج القانون ومن المعرقلين لمخرجات الحوار ويجب وضعها تحت الفصل السابع من ناحية أخرى، الأمر الذي يحمل السلطة المحلية والمركزية مسؤولية مباشرة وجنائية في الجريمة وفي سقوط ذلك العدد الكبير من الضحايا.

كما تنفي هذه الخطة المبيتة سلفاً لوحدها كلياً وقطعية التهمة الفارغة التي تضمنها بيان الداخلية وبالذات قوله إن مسلحين حوثيين هم من اعتدوا على النقاط العسكرية - لأن هذا لو صدق- لما احتاجت وزارة الداخلية إلى تجاهل ضحايا الحوثيين، لأن مجرد ذكرهم لا يعني تعاطف الناس معهم. طالما وهم معتدون!.

السلطة اليوم وبهدف قمع كل من يحتج على استيلائها للحكم بدون سند شرعي وللتغطية على مؤامرة التقسيم وسياسة الاستحواذ على مؤسسات الدولة، وإخراج بقية الأطراف من معادلة ما بعد حوار موفنبيك من أجل هذا كله تعمل -وليس لديها- مانع أن تعمل على ارتكاب جرائم قتل واسعة، كما حدث في عمران وحدث قبل عمران، ثم توظفها سياسياً في هذا السياق، وهو ما تم بالفعل غير أن توظيف السلطة الكاذب والاستفزازي للجريمة شيء ونتائجها على الأرض، وفي نفوس أهالي الضحايا وأبناء عمران عموماً شيء آخر تماماً.

والخلاصة فإن الوضع في عمران الآن وبعد الجريمة وأكثر منه بعد البيان والخطاب الإعلامي المرافق محتقناً جداً ومرشحاً للانفجار في أي لحظة، وما لم تسارع الرئاسة والحكومة إلى سحب بيان الداخلية فوراً والاعتذار عنه أولاً وقبل كل شيء.

في المقابل على الجميع أن يعملوا -كل الأطراف- من أجل تفادي مثل هذه التداعيات الخطيرة التي تسعى السلطة المحلية في عمران إلى جر البلاد إليها بغباء شديد لا يتمتع به سوى بعض قيادتها في صنعاء.

يبقى أن نقول لوزير الداخلية الجديد ولجماعته من خلفه، عليكم يا إخواننا في الله أن تفرقوا بين "الزنقلة" وبين المسؤولية وبين قيادة الدولة وأجهزتها الأمنية والعسكرية وبين قيادة العصابات أو الجماعات الميليشياوية.

ما تعملونه اليوم وباسم الدولة وعبر وحداتها العسكرية وبياناتها غير المسؤولة كان وسيكون له نتائج وخيمة على مستقبل البلاد وأمنها واستقرارها.

*إذا لم يتوقف الإصلاح عن استخدام إمكانات الدولة وسلطاتها المحلية ومؤسساتها الأمنية والعسكرية في محاولة تصفية الخصوم، أو قمعهم فإنه سيجر بهذه السياسة الرعناء البلاد إلى الحرب، وبالتالي إلى ما تبقى من الدولة.

الأكيد أن خسارة اليمن ستكون في هذه الحالة كبيرة، وكلفة تعويض هذه الخسارة باهظة ومخصومة من أمن الناس ومستقبلهم ومصير وطنهم لكن الإصلاح - وهذه هي المفارقة- سيكون أكثر وأول الخاسرين من هذه السياسة الرعناء والأكثر غباء في التاريخ!

*تزييف الوعي !

لأنصار الله سلبيات عديدة وأخطاء فادحة في الخطاب السياسي على الأقل، ولكن أن تقدح فيهم لا على أساس ما يعملونه اليوم، بل بناء على ما عمله أجدادهم الأولون بالأمس فهذه إشادة لا نقداً أو اعتراضاً على سياسات أو ممارسات بعينها.

كما أن أكبر محاكم التفتيش وأكثرها عنصرية هي أن يكتب البعض ضدهم على رافعة نواياهم وما يضمرونه من أفكار ومعتقدات، أو على أساس أسمائهم وألقابهم وأعراقهم أو بوضعهم قسراً في خانة من لا يعجبونه من الناس أو من الفئات والمناطق والأعراق !.؟

أنت بهذا يا صديقي لا تستند فقط على وعي بعض بسطاء الناس القاصر أو الزائف تجاه تاريخ وطبيعة الصراع "اليمني- اليمني" وإذكاء جراحاته وآلامه وتوظيفها سياسياً وبقسوة وحسب، بل أنت أيضاً تسهم بهذا الخطاب الغرائزي والتحريضي المباشر في تزييف وعي الناس حول قضاياهم وأولوياتهم المصيرية والأكثر إلحاحاً والتي تعرف جيداً كما نعرف جميعاً أن مشكلتنا فيها هي في طبيعة النظام الأقلوي الحاكم وفي طبيعة سياساته المدمرة والارتهانية، والاستحواذية وليست لدى الحوثيين ولا لدى أي طرف آخر خارج السلطة إلا من باب تداعيات سياسة "الفراغ والعجز والاستحواذ" نفسها.

 

أعلى الصفحة