المرصاد - متابعات

بعد أخذ ورد طويلين منذ شهر تشرين الثاني/ نوفمبر الماضي، يشارف التحالف السعودي - الإماراتي على إبرام اتفاق سياسي بين حلفائه الذي أٌنهكوا بالمعارك السياسية والميدانية. الاتفاق، Hadai2020.7.29adenالذي يُعدّ محمد آل جابر مهندسه الرئيس، يحفظ لطرفي التحالف مصالحهما في المحافظات الجنوبية، فيما يطوي صفحة الشعارات الانفصالية بضمّه «المجلس الانتقالي» إلى حكومة موسّعة

يبدو أن السعودية تقترب من إنجاز اتفاق لتقاسم السلطة بين حكومة هادي من جهة، و»المجلس الانتقالي الجنوبي» الموالي للإمارات من جهة أخرى. هذا ما تنبئ به المعطيات القادمة من فندق «الريتز كارلتون» في الرياض حيث تنعقد المفاوضات، وما عزّزته أمس تصريحات مسؤولين إماراتيين وسعوديين في هذا الشأن. إذ وصف وزير الدولة الإماراتي للشؤون الخارجية، أنور قرقاش، التطورات المتعلقة بتنفيذ «اتفاق الرياض» بـ»المشجّعة»، آملاً «تغليب الرؤية الاستراتيجية على المكاسب التكتيكية الضيقة»، مشدّداً على أن «عودة الثقة تتطلّب تقديم التنازلات والتنازلات المقابلة». من جهته، علّق السفير السعودي في اليمن، محمد آل جابر، على الأنباء عن قرب التوصّل إلى اتفاق، بالقول: «تفاءلوا بالخير تجدوه».

ولا يزال آل جابر يخوض مفاوضات نشطة من أجل وضع اللمسات الأخيرة على «اتفاق الرياض» المعدّل، بعد أشهر من تعثّر تنفيذ النسخة الأولى منه (الموقّعة في تشرين الثاني/ نوفمبر الماضي)، بسبب اشتراط «الانتقالي» تقديم تطبيق الشقّ السياسي على العسكري، فضلاً عن مطالبته بثماني حقائب وزارية في الحكومة الجديدة. وهي مطالبات أضاف إليها المجلس، أواخر شهر نيسان/ أبريل الماضي، إعلانه «الإدارة الذاتية» في المحافظات الجنوبية، الأمر الذي قابلته حكومة هادي بتصعيد ميداني تَمثّل في فتح جبهة قتالية في أبين، ليأتي الردّ الإماراتي بإسقاط جزيرة سقطرى وطرد القوات التابعة لما يسمى «الشرعية» منها.

وعلى رغم أن جبهة أبين ظلّت تراوح مكانها، إلا أن المعركة هناك تسبّبت بحالة استنزاف لـ»الانتقالي»، خصوصاً في ظلّ إيقاف مرتّبات الأخير من قِبَل الإمارات لسبعة أشهر متتالية. كلّها عوامل أدّت في نهاية المطاف إلى قبول المجلس العودة إلى المشاورات، التي أسفرت - بحسب مصادر - عن تفاهمات ستُعلَن خلال الأيام المقبلة. ووفقاً للمعلومات، تنصّ تلك التفاهمات على تراجع «الانتقالي» عن إعلان «الإدارة الذاتية»، وتعيين محافظ لعدن ومدير لأمنها، مع بقاء معين عبد الملك رئيساً للحكومة التي قَبِل «الانتقالي» بنيل أربع حقائب فيها من أصل 24. وفيما ستتوزّع بقية المقاعد المُخصّصة لـ»الجنوب» بمعدّل واحدة لكلّ من «التجمّع اليمني للإصلاح» و»المؤتمر الشعبي العام» و»مؤتمر حضرموت الجامع» و»المقاومة الجنوبية» وحراك المهرة؛ ستكون لـ»الشمال» عشر حقائب مماثلة موزّعة على النحو الآتي: 3 لـ»المؤتمر»، 3 لـ»الإصلاح»، وواحدة لكلّ من «الاشتراكي» و»الناصري» و»العدالة والبناء» و»اتحاد الرشاد السلفي». أما هادي فسيكون له حقّ اختيار المُعيّنين في الحقائب السيادية (الدفاع، الداخلية، الخارجية، والمالية).

وخلافاً للمفاوضات التي صاغت النسخة الأولى من «اتفاق الرياض»، والتي شاركت فيها مكوّنات جنوبية مغايرة لـ»الانتقالي» مِن «الائتلاف الجنوبي» و»الحراك الثوري»، تمّ استبعاد المكوّنات المذكورة بشكل كامل في المفاوضات الحالية، شأنها شأن الشخصيات المحسوبة على الرئيس المستقيل، أو تلك التي جاهرت برفضها سياسات «التحالف» ومدّت جسوراً متينة مع كلّ من الدوحة وأنقرة، كأحمد الميسري وعبد العزيز جباري وصالح الجبواني. وبحسب معلومات فإن الرئاسة مُنعت من دعوة أّيّ طرف إلى المشاورات، فيما استأثر آل جابر باختيار الأطراف المشاركين فيها، وهو من أصرّ على بقاء معين عبدالملك رئيساً للحكومة، ومن سمّى أيضاً الأمين العام لـ»الانتقالي» حامد لملس محافظاً لعدن. ويعتقد مراقبون أن «التحالف» يستهدف خلق توليفة جديدة تكون فيها الرئاسة الطرف الأضعف حتى تسهل السيطرة على قرارها.

كذلك، وفي محاولة لكسر هيمنة «الانتقالي» على المشهد الجنوبي، استدعت «اللجنة الخاصة السعودية» المعنيّة بالملف اليمني، الأسبوع الماضي، وفداً من «مؤتمر حضرموت الجامع»، وآخر من مدينة عدن، وشخصيات من جزيرة سقطرى، إلى الرياض للمشاركة في المفاوضات. كما حاولت اللجنة، طوال الفترة الماضية، إجراء اتصالات مع العديد من الجهات المستقلّة في الجنوب، مِن مِثل تيار الزعيم حسن الباعوم و»جبهة الإنقاذ»، ودعوتها إلى المشاوارات، إلا أن أن تلك الجهات رفضت تلبية الدعوة السعودية، وفق مصادر مطلعه. على أن ما بدا لافتاً، الشهر الفائت، هو انتقال عبد الله عيسى آل عفرار، نجل سلطان المهرة السابق عيسى آل عفرار، من العباءة العُمانية إلى صفّ «التحالف»، الأمر الذي فُسّر بأن المملكة أغرته بمقعد وزاري له أو لأحد المقرّبين منه.

وبالعودة إلى «الانتقالي»، فإن موافقته على المشاركة في الحكومة تتناقض وشعاراته الداعية إلى بناء «دولة جنوبية مستقلة»، والتي خاض معاركه الطاحنة على أساسها. وبحسب مصادر مطلعه إن استراتيجية «الانتقالي» التفاوضية تقضي بالعمل على عدم القطع مع الشعارات الانفصالية والبقاء في مساحة رمادية، إلا أن ضغوطاً شديدة يتعرّض لها من قِبَل السعودية تمنعه من الاستمرار في تلك الاستراتيجية. ووفقاً للمعلومات، فقد اقترح «الانتقالي» أن يتمثل في التشكيلة الحكومية بقيادات من الصفين الثاني والثالث، إلا أن الرياض رفضت اقتراحه هذا، وشدّدت على أن يكون تمثيله بقيادات من الصف الأول، وهو ما يُعمل على حلّه راهناً، فيما باتت محسومة موافقة «الانتقالي» على التخلي عن «الإدارة الذاتية»، إنما من دون إعلان صريح وواضح في البيان الختامي.

ما هو مآل اتفاق "الرياض 2" بشأن تقاسم السلطة؟

تم صباح اليوم الاربعاء الكشف رسميا عن نص اتفاق "الرياض 2" المبرم بين حكومة هادي من جهة ، والمجلس الانتقالي الجنوبي من جهة اخرى ، وسط شكوك كبيرة من قبل المراقبين حول نجاح هذا الاتفاق .

- هذا الاتفاق المعروف باتفاق الرياض تم التوقيع عليه في شهر نوفمبر من العام الماضي برعاية الملك السعودي ولكنه لم يحصد سوى الفشل . التعارض الماهوي بين المصالح السعوإماراتية من جهة ، والخلافات الجادة القائمة بين الإمارات وحكومة هادي من جهة اخرى وبالتالي اطماع وتوجهات اطراف النزاع تشكل اهم اسباب فشل اتفاق رياض الاول . ويأتي الاعلان عن اتفاق الرياض الجديد في حين ان القضايا السابقة لازالت قائمة ، بل وزادت عليها اخرى ، وفي الحقيقة انها اصبحت نقطة ضعف قاتلة لاي اتفاق فيما يخص جنوب اليمن .

- وفقاً لاتفاق رياض الأول الموقع عام 2019 كان من المقرر ان يعود الرئيس هادي الى عدن في غضو سبعة أسابيع لتولي زمام الأمور بنفسه ، وان يتم دمج القوات العسكرية التابعة للانتقالي الجنوبي مع ميليشيات هادي و .. ولكن لم يتم تطبيق اي من هذه البنود فحسب بل ان الخلافات شهدت وتيرة متنامية الى درجة ان المجلس الانتقالي الجوبي اعلن حكما ذاتيا واستولى على اراض واسعة من المناطق التي كان يسيطر عليها هادي . المراقبون يستبعدون بان يرضخ المجلس الانتقالي الجنوبي لحكومة ودولة فاشلة هزمت في ساحة الحرب وتعيش اسوأ ايامامها السياسية ، خاصة وان لديهم اليد العليا مع الامارات في المناطق الجنوبية .

- يبدو ان الإمارات والسعودية أيضا تعرفان جيداً بان الدخان الابيض لن يتصاعد من مدخنة اتفاق الرياض . اصرار هذين البلدين على التقارب بين الجنوبيين وهادي في اطار اتفاق مثل اتفاق الرياض هو في الحقيقة آخر المحاولات للتوحيد بين هذين الشقيقين في مواجهة حركة أنصار الله . لاشك انه في حال فشل عملية استقطاب الانصار باليمن ، فان تقسيم اليمن سيكون الركن الاساسي للسياسة السعوإماراتية .

 حيث أن الالية الجديدة تقضي بإلغاء المجلس الانتقالي للادارة الذاتية وتنفيذ بنود إتفاق الرياض وتعيين حاكم لمحافظة عدن وخروجِ القوات العسكرية منها، وتشكيل حكومة تضمّ وزراء من شمال وجنوب اليمن خلال ثلاثين يوماً، بعد تثبيت حالة وقف اطلاق النار وانسحاب قوات الانتقالي وحكومة هادي من المدن.

كان واضحاً من خلال المراسيم التي أصدرها هادي اليوم، ان السعودية تضغط من اجل ارضاء المجلس الانتقالي الجنوبي ودفعه للقبول باتفاق الرياض بنسخته الجديدة، فقد عين هادي أحمد حامد لملس الذي كان يشغل منصب الأمين العام لهيئة رئاسة المجلس الانتقالي الجنوبي ، محافظا لمحافظة عدن، وتعيين العميد محمد أحمد الحامدي، مديراً عاماً لشرطة محافظة عدن وهو ايضاً من الشخصيات الجنوبية المعروفة، وبذلك يكون المجلس الانتقالي قد احكم قبضته الأمنية على عدن.

بالمقابل اصدر المجلس الانتقالي الجنوبي بيانا فضفاضا اعلن فيه التخلي عن الإدارة الذاتية، وتعهد بتنفيذ الالية السعودية الجديدة لتقاسم السلطة، دون لتطرق الى تفاصيل هذا التعهد والية تنفيذه.

اللافت ان السعودية والإمارات شنتا عدوانهما على اليمن تحت ذريعة الدفاع عن الشرعية ضد "الانقلابيين"!! ، بينما إتفاقية الرياض التي ترعاها السعودية أضفت "الشرعية "على كيان غير شرعي متمثل بالمجلس الانتقالي الجنوبي المدعوم من الإمارات، والذي انقلب على "الشرعية" وقاتلها على مدى سنوات ، وهي "الشرعية" التي تزعم السعودية الدفاع عنها، وسقط جراء النزاع بينهما مئات القتلى من الجانبين.

رغم ان إتفاق الرياض "المُحسّن" لصالح الانقلابيين ليس الأول من نوعه ، الا ان هذا الإتفاق يحمل بذور موته في داخله لاسباب عدة، ليس فقط بسبب الصراع القبلي والمناطقي المتجذر في الجنوب، بل بسبب الضغوط التي مارستها السعودية على جميع الاطراف وخاصة حكومة هادي، حتى قيل ان سفير السعودية في اليمن هدد المجتمعين من انهم لا يحق لهم الخروج من القاعة التي اجتمعوا فيها بالرياض الا بعد ان يتفقوا.

يرى المرقبون للمشهد السياسي اليمني ان الضغط السعودي على هادي للاتفاق مع الجنوبيين المدعومين من الإمارات، حتى وفقاً لشروطهم، هي محاولة أخيرة للسعودية للظهور بمظهر من يمسك بالملف اليمني بعد الضربات التي نزلت على هيبتها جراء سيطرة المسلحين المدعومين إماراتياً على جميع محافظات الجنوب ، ومنهم من برر الاستعجال السعودي بوجود تحديات كبيرة تواجه الرياض وقد تطيح بدورها الاقليمي بشكل كامل، ومن هذه التحديات الانتخابات الأميركية التي اقترب موعدها وقد تسفر عن هزيمة مدوية لدونالد ترامب، المدافع الشرس للسياسة السعودية امام خصمه جو بايدن الذي لا يكن الود للسعودية كما ترامب.

كما ان الازمة في الجنوب قد طالت ، وان الجنوبيين مصممون على بسط سيطرتهم على كل مناطق الجنوب بدعم إماراتي وكانت اخر معاركهم تلك التي تكللت بالسيطرة على جزيرة سقطري ، وهي تلك السيطرة التي دفعت جهات في حكومة هادي الى طلب العون من الأمم النتحدة للتدخل ، الامر الذي رات فيه السعودية تدويلا لأزمة الجنوب لا يصب في صالحها.

هذه الاسباب وغيرها هي التي دفعت السعودية للضغط والاسراع من اجل الحصول على اتفاق لا يبدو انه سيقاوم امام الحقائق على الارض، وهو ما تداركه الاتفاق عندما اشار الى انه لن يتم إعلان الحكومة إلا بعد الانتهاء من تنفيذ البنود الأمنية والعسكرية كافة في عدن، وعودة الأوضاع لطبيعتها في سقطري، وهو امر لا يمكن تنفيذه وسط الخلافات ليس على تقاسم الجغرافيا فحسب بل حول تقاسم حقائب المحافظات الجنوبية، التي اثارت حفيظة مكونات أخرى تطمح للشراكة بالحكومة المرتقبة، حيث دعا وجهاء قبليون بمحافظة أبين، لعقد اجتماع عام للتاكيد على حقهم في التمثيل بالحكومة.

يبدو اننا لسنا بحاجة الى وقت طويل لنتعرف على مصير إتفاق رياض "المعدل" او "الرياض2"، فالخلافات هي اكبر من التغطية عليها بممارسة الضغوط السياسية والمادية وحتى العسكرية، لسبب بسيط وهو ان العدوان على اليمن كان من اهدافه اما جعل اليمن تابعا للسعودية، وفي حال تعذر ذلك، يجب اضعافه عبر نشر بذور التفرقة القبلية والمناطقية بين ابناء الشعب اليمني وصولا الى تقسيمه ، كما بدا واضحا من ممارسات الامارات ودور السعودية التي اكتفت بالمشاهدة.

 

أعلى الصفحة