المرصاد نت

ماذا تستطيع أن تكتب إزاء وطن يعج بالترهات، وطن لا ترى فيه سوى زيف الحقيقة وزمن بعيد من الثرثرة والوهم والميول الى العدوان لقد أصبحنا ذكرى شعب كان يعيش عند أطلال الزهورDSSSKaja والأنهار كانت المحبة والأمان تعيشان معه في البيوت وكانت البيوت مليئة بالطعام والسعادة حتى جاءت الحرب يومها جاء السياسيون يحملونها كالرزق على أكتافهم، برفقة الظلام والبرد واليأس والطريق المخيف حرب لم تبقي ولم تذر، ها هو الشعب ينتظر القيامة بفارغ الصبر بعد سنواتها المدمرة ستجدونه يعيش في الطرقات يلتحف الأرصفة الباردة ويضع رأسه على حضن صخرة ينام ويرى أبنائه وشبابه الراحلين نعم لقد كانوا هنا قبل ذهابهم للقتال يتراءى خيالهم وذكرياتهم كحلم باهت كطيف حزين يمر عند الفجر يترائاهم يقاتلون في الجبال والأكام والهضاب البعيدة يقاتلون الوهم والظلام والخوف باحثين عن ثمن طعام أبناءهم باحثين عن رزقهم في جروف الحرب البعيدة.

موت الفقراء هو رزقهم !!

القتال في الحرب صار رزقاً للشباب خصوصاً العاطلين منهم  أولئـك المحصورين مجازا بين مسمار الجوع ومطرقة الضياع  ستجدهم يقاتلون في الجانبين مع الطرفين لا يهتمون من يكون عنده الحق جُلّ همهم متى يدفعون رواتبنا المرتفعة ؟!

هم لذلك يقولون كل يوم.. أدفعوا لنا ارزاقنا فأطفالنا وأخوتنا ينتظرون !!

كل شيء جميل تدمر خلال سنوات الحرب ، تغيرت أمنيات الناس واحلامهم وجاءت عوضاً عنها عصبتين من الناس تروّج للموت في سبيل الله والوطن ، الله الذي يدعي جميعهم تمثيله في الارض وهذا الوطن الذي أتفق الطرفين على تدميره..

لقد صرنا كومةً كبيرة من الشعب المبيوع..

ماذا أيضا ؟!

لن تصدقوا لو أخبرتكم إنهم لا يكتفون من ذلك ، لا زالت الحرب قائمة ، حقيقة لا تتوقف في رؤوسنا ، في الريف اليمني لم يتبقى شباب ، القرى فارغة والمدن ترفع أشكالهم القديمة ، يوم كانوا هنا ، يوم كانوا عظماء بعدها غادروا شهداء خالدين ، بالصور في الطرقات ، هذه أفكارهم للشباب في الريف والمدينة.

اطراف الحرب لا زالوا يستقطبون الألاف من المقاتلين ، من الشعب ، من الفقراء ، من الشباب .. للذهاب بعيدا بعيدا حتى حتفهم ، هناك وهنا وفي كل مكان ، الأطراف السياسية ، بل الأطراف المتحاربة فالسياسة وبالرغم من ذلك لديها بعض أخلاق وبعض ملامح من عدالة ، أما حرب الجماعات والمذاهب والطوائف فقذرة ملعونة ، هي بالمجمل لعنة تعصف بالمساكين من بيوتهم.

غريزة الترهات !!

ذات مرة كتب “البير كامو” حكاية عن رجل وحيد ذي غريزة عدوانية كان يستدرج الطيور والقطط عبر إطعامهن في باحة منزله ، وحين تتجمع مطئنة الى كرم الضيافة يقوم بالبصق عليها !!

هذا نموذج عن رغبة السحق والتدمير في داخل قائد يستقطب الفقراء للقتال في معركته الكراهية تكون قد تعمقت في داخله أصبح لا اراديا شخصا ممارسا لتصرفات الشر ميالا للعدوان وإزدراء الأخرين أصابه نفوذه وفضاعات تجاربه السابقه بجموح غريزي تصفوي تخجل منه الحيوانات.

هؤلاء هم قادة الطرفين في الصراع المسلح ، وهذا ما يحدث للفقراء بعد إستدراجهم للتجنيد حتى وهم يتضرعون في عباداتهم يناجون خالقهم وينكسرون في ساعات السحر يقولون غاياتهم ويبكون لنيلها يسردها “سيف الرحبي” على ضفاف ملاحم الفجر وأعشاش الصيف الباردة .. يقول في ذروة التضرع والإنكسار:

كان يتوسل بتضرع بانكسار:

أيتها الكراهية

أمنحيني مزيدا من هباتك

وحناك

كي أستطيع إبادة هذا العالم

الإستقطاب والمال !!

أخبرني “سالم” كيف إستدرجوه للإنضمام للتجنيد في محافظة مأرب حتى نقلوه مقاتلاً عن حدود المملكة السعودية أخبرني بعد سنوات من عودته وسجنه وإحتقاره حدثني ذلك بينما كنا نتجول في طرقات صنعاء عن حياته مع أسرته بعد عامين من إندلاع الحرب كان عاطلاً عن العمل آنذاك مرت به الأيام مع بعضها حتى أصبح يفضل بيع أجزاءا من جسده في تلك المرحلة المتأخرة من عمره كان مستعدا للعمل في طرف الشيطان لو وجد عملاً يستطيعه خصوصاً وقضى سنوات في البحث والطلب والإستدانة بعد محاولاته الكثيرة والكبيرة لإيجاد عمل قرب أهله وفجأه في إحدى الليالي الباردة واليأس مطبق على تفكيره إتصل به صديق قديم عارضاً عليه مبلغاً مرتفعاً من المال لقاء إنضمامه لجيش الشرعية في مأرب الف وخمسمائة ريال سعودي ليست بالمبلغ القليل ، ستغير كل شيء في حياته إتخذ سالم قراره ثم غادر الى مأرب وفيها إستقبله صديقه المنتمي تنظيميا لحزب الاصلاح (الاخوان المسلمين) واسكنه في فندق لا يعرف أسمه او مكانه بعد فجر يومه الثالث هناك نقلوه بطقم عسكري

الى معسكر تدريبي في صحراء الجوف قضى فيه ثلاثة أشهر للتدريب بعدها نقلوه للدفاع عن الحدود السعودية ضمن عشرات الجنود اليمنيين وهناك مات الكثير من رفاقه وبقي البعضهم وهرب العشرات كان سالم ضمن الهاربين بعدها قرر العودة من حيث أتى، وفي طريق عودته الى صنعاء إعتقله أفراد أمنيين من جيش الشرعية قضى عاماً في سجونهم بعدها أطلقوه قرر العودة مجددا الى منزله وأسرته في صنعاء وبالطبع وصل حتى أسرته وبقي معهم أسبوعا قبل أن يتم إعتقاله في صنعاء بتهمة الداعشية قضى عاماً آخر في سجون سلطة صنعاء حتى اطلقوه بقرار للعفو العام.

أنها جحيم ومصير أسود من الظلمات.

هذا نموذج واحد يعكس تجارب الاف الشباب تجارب اليأس من الحياة والبحث عن مصير اخر ولو بالمغامرة المجهولة عندما يلتقي الفقر باليائسين تصير حياتهم كـ سالم خصوصاً وهناك الكثير ممن يتربص بهم من قبلها ومن بعدها.

تجارة التجنيد !!

معظم مجندي هادي تم إستقطابهم عبر الولاء لتنظيم الاخوان المسلمين بالإضافة الى الموالين لهم الولاء المذهبي أساساً وشرطا قبل الإختيار والاستقطاب في بدايات الحرب لكنها بعد اربع سنوات صارت بلا شروط مسبقة إغراءات المال كافيه ، حتى أن بعضهم كانوا من جنود الطرف الأخر ذلك لا يضرهم أو يقلل ثروتهم دام والمعركة هي الحسم الاف الشباب تم تجنيدهم بالمال وإلإغراء إضافة للإجراءات التعبوية اللاحقة هذه أبرز الحقائق الشيء المؤسف هنا يكمن في الملاحقات الامنية بعد كل ذلك ملاحقات من شأنها الخسف بالكثيرين من الشباب الأبرياء والضحايا.

في عدن أيضا يجندون الشباب بأساسات وشروط تعتمد على الكراهية العمياء للشماليين والإصلاحيين على وجه سواء يجندون بذات الاغرائات المادية في عدن أموالهم إماراتية بعكس اموال مأرب السعودية.

المؤتمر الشعبي العام بعد مقتل زعيمه صالح أصبح ضمن التجار والمستقطبين هو ينحو بذات الطريقة المادية في التجنيد والتحشيد لكنها مبنية على أساس الجاهزية القتالية لكتائبة المدربة إبان حكم صالح.

وفي صنعاء يعتمد الاستقطاب الحوثي للمقاتلين على الاساس العقايدي اكثر منه المادي ، لكنه بصورة ما يصب في نتائج مادية كرعايات غذائية ومبالغ دوريه وأرقام عسكرية ورتب عسكرية ضمن وزارة الدفاع بحكومة صنعاء.

ثمة خاتمة !!

هي أذا صراعا سلطويا وتجارة بالفقراء وكل مبرراتها وغاياتها ترهات.

اما من يتم إستقطابهم وتجنيدهم من الشباب خصوصا الفقراء منهم فلم يكونوا قبل التعبئة والتحشيد والتطييف الاّ متيمنين بالحياة ومحاولين الحصول على رزقهم وطعام عيالهم في زحمة وضجيج الجحيم من حولهم.

ذات يوم حدثني أحد المقاتلين الشباب في جولة القصر بتعز وهي محاذية لمناطق سيطرة المقاومين يقول لا عليك من حثالات القادة ومصالحهم نحن بالفعل نتقاتل مع الجهة الأخرى لكننا نلتقي في اليوم التالي ونأكل مع بعضنا ونخزن سوياً حتى يأتي الغروب ثم يذهب كل منا الى موقعه ومترسه وعندما تأتي أوامر الحثالات نبدأ بالإطلاق العبثي على بعضنا نحن بالفعل ننفذ الأوامر لنحصل على رواتبنا وفي اليوم التالي أيضاً عند الظهيرة نلتقي ونجمع طعام الطرفين وناكل سوياً وهكذا نحن نعيش معظم الأيام.

كتب : ماجد زايد

أعلى الصفحة