b_300_240_16777215_00_images_FB_IMG_1590867721082.jpg

المرصاد نت

" زَعَموا أن ثعلباً كان يُدعى ظالماً وكان له بيتٌ يأوي إليه وكان به مغتبطاً لا يبغي عنه حِوَلاً  ..
فخرج منه يوماً يبتغي ما يأكل ثم رجع فوجد فيه حيَّةً ، فانتظر خروجها عنه فلم تخرج وعَلِمَ أنها قد استوطنتهُ ، وذلك أن الحيةَ لا تتخذ بيتاً لها وتدخل أي بيت من بيوت الحيوان فتغتصبها وتطرد عنها ما كان فيها ، ولذلك قالوا فلانٌ أظلمُ من حيّة ..
ولما رأى الثعلبُ المُسمّى بظالم أن الحيّة قد استوطنت بيته ولم يمكنه السكون معها ذهب يطلب لنفسه مأوىً ومسكناً فألقاه التطواف إلى بيت ثعلبٍ آخر ، حسن الظاهر حصين الموضع ، في أرضٍ خصيبة ذات أشجارٍ ملتفة وماءٍ معين فأعجبه وسأل عنه فأخبر أن ذلك البيت لثعلب اسمه مُفوّض وأنه ورثه عن أبيه فناداه ظالم يامفوض فخرج إليه ورحب به وأدخله بيته وسأله عما قصد له فقص له خبرَه وشكى إليه ما ناله من الحية من اغتصاب بيته فرق له مفوض ثم أقبل عليه فقال له  :
إن من الهمة أن لا تقصر عن مطالبة عدوك وأن تستفرغ جهدك في ابتغاء دفعه وهلاكه وإنه كان يُقال في الأمثال : من تهيّب عدوه فقد جهز إلى نفسه جيشاً ..
وكان يقال : لا تتهيبوا الجسيم من الأمر فإنه لا امرُّ من تجرُّع الأمر عند تهيبه  ..
وكان يُقال : ربَّ حيلة أنفع من قبيلة
 وكان يقال :  الموت في طلب الثأر خيرٌ من الحياة في العار ..
 وكان يقال :  إذا طلبت عدوك بالقوة فلا تقدمنَّ عليه حتى تعلم ضعفه عنك ، وإذا طالبتهُ بالمكيدة فلا يعظمنَّ أمرهُ عندك ولو كان عظيماً..
 ثم قالَ مفوِضٌ : والرأي عندي يا ظالم أن تنطلق معي إلى مأواك الذي أُنتزع منك غصباً حتى أطلع عليه فلعلي أن أهتدي إلى وجه مكيدة في تمكينك منه فإن أفضل الرأي ما أسس على الروّية والفكرة الصادقة ولهذا قيل يفسد التدبير بثلاثة أسباب :
 أحدها ، أن يكثر الشركاء فيه فإذا كان ذلك كذلك انتشر التدبير وبطل ..
والثاني ، أن يكون الشركاء في التدبير متحاسدين متنافسين فيدخله الهوى والبغي فيفسد ..
 والثالث ، أن يملك التدبير من غاب عن الأمر دون من باشره وشاهدَهُ فإذا كان ذلك دخل فيه حقدُ المباشر الحاضر وفوْت الفرَص فإن الفرص تمرُّ مرَّ السحاب والواجب أن تبادر إليها ثمَّ إنّ تدبير المسموعات مؤسس على ظنون صدق الخبر وتدبير المبصرات مؤسس على يقين النَّظَر  ..
فانطلَقَ مفوِض وظالمٌ معاً إلى ذلك البيت فتأمله مفوض وعلمَ ما أراد علمه من أمره ثم أقبل على ظالم فقال : قد شاهدتُ من أمر مسكنك ما فتح لي باب المكيدة وأسفر لي عن وجه الرأي فيه ..
 فقال له ظالم : أطلعني يامفوض على ما ظهر لك  فقال مفوض :
 إن أضعف الرأي ما سنح  في البديهة وإنه كان يقال : الرأي مرآة العقل فمن أردت أن ترى صورة عقله  فاستشره ، وكان يقال أفضل الرأي ما أجادت به الفكرة نقدهُ وأحكمت الرَّويَّةُ عقدَهُ ، وكان يقال الرأي المتين سيف العقل ، ولما كان أمضى السيوف ما بولغ في إرهاف حده وأجيد صقله كان أنجح الآراء ما كثر امتحانه وأطيل تأمله ،  وكان يقال كل رأيٍ لم يتمخض به الفكر ليلة كاملة فهو مولود لغير تمام ..
 ثم قال له : انطلق معي فبت الليلة ياظالم عندي لأنظر ليلتي هذه فيما يسنح لي من المكيدة ففعلا وباتَ مفوضٌ مفكراً في ذلك  ، فجعل ظالم يتأمل مسكن مفوض فرأى من سعته وطيب تربته وحصانته وكثرة مرافقه ما اشتدَّ له إعجابه به وحرصه عليه وأخذ يريد الحيلة في غصبه ويدبرها في أخذه وينفي مفوَّض عنه  وكان يقال : اللئيم كالنار إن أكرمتها أضرمتها وكان يقال : إذا كانت الإساءة طبعاً لم يملك الإحسان لها دفعاً ، وكان يقال : العاقل يقدم التجريب قبل التقريب والاختبار على الاختيار والثقة قبل المحبة والمقت ..
 فلماّ أصبحا قال مفوض لظالم إني رأيتُ مسكنك ذلك الذي كنت فيه بموضع بعيد من الشجر والخير فاصرف نفسك عنه وهلم أعنك على احتفار مسكن بهذا المكان المتيسر الموافق ، فقال له ظالم : إن ذلك لا يمكنني لأن لي نفساً تهلك لبعد الموطن حنيناً ولاتملك مع بعد المسكن سكوناً وإنه كان يقال : دلائل الوفاء سبع بر الآباء والأمهات وصلة القرابات والنزاع إلى الوطن والجزع إلى السكن وذكر أيام الشباب واللبس لمغسول الثياب والصبر على هرم الدواب ، وكان يقال الغريب عن دياره ميتُ الأحياء قد أعاده البين أثراً بعد عين ..
 فلما سمع مفوضِّ مقالة ظالم وما تظاهر به من الرغبة في وطنه  قال مفوض : إني أرى يا ظالم أن نذهب يومنا فنحتطب حطباً ونربط منه حزمتين وإذا أقبل الليل انطلقت أنا إلى بعض الخيام فأخذت قبس نارٍ واحتملنا الحطب والقبس إلى مسكنك فجعلنا الحزمتين على بابه وأضرمناهما ناراً فإن خرجت الحية احترقت وإن لزمت المسكن أهلكها الدخان فقال ظالمٌ نعم الرأي أن نذهب يومنا  ..
فربطا من الحطب حزمتين بقدر ما يطيقان  حمله  ، ولما جاء الليل وأوقد أهل الخيام النار انطلق مفوض ليأخذ قبس فعمد ظالم إلى إحدى الحزمتين فأزالها إلى موضع غيبها فيه ثم جر الحزمة الأخرى إلى باب مسكن مفوض ودخله وجذبها إليه فأدخلها في الباب فسدَّه بها وقدر في نفسه أن مفوضاً إذا أتى مسكنه لم يمكنه الدخول لحصانته  وأن بابه مسدود بالحطب سدا محكماً فأكثر ما يقدر مفوض عليه  أن يحاصره فإذا أيس منه ذهب فنظر لنفسه مسكناً ، وقد كان ظالم رأى في بيت مفوض طعمة اذخرها مفوض لنفسه فعول ظالم على الإقتيات منها في مدة الحصار ..
 وأذهله الشّره والحرص والبغي عن فساد هذا الرأي فإنه معرِّض لمثل ما عزم عليه مفوض أن يفعله بالحية وكان يقال : احترس من تدبيرك على عدوك كاحتراسك من تدبيره عليك فرب هالك بما دبر ومكر وساقطٍ في البئر التي احتفر وجريح بالسلاح الذي شهر ..
ثم أن مفوضاً جاء بالقبس فلم يجد ظالماً ولا وجد الحطب فظن أن ظالماً قد احتمل الحزمتين معه تخفيفاً عنه وأنه بادر بهما نحو مسكنه إشفاقاً أن يأتي مفوض فيحمل إحداهما فشق ذلك عليه فظهر لمفوض من الرأي أن يترك القبس  ويبادر فيلحقه ليحمل معه الحطب فألقى القبس من يده ثم كره أن تنفده الريح فيحتاج إلى طلب قبس آخر فأدخله في باب مسكنه  يعني مسكن مفوض ليستر النار من الريح فأصابت النار الحطب فاضطرمت الحزمة ناراً واحترق ظالمٌ في مسكن مفوض وحاق به مكره !!
فلما اطلع مفوّضٌ على أمر ظالم قال : ما رأيت كالبغي سلاحاً أكثر عمله في صاحبه ولهذا قيل :
الباغي باحث عن حتفه بظلفه ومتردد في مهاوي تدميره بمساوي تدبيره ..
 وقيل : ما اجتمع الغنى والبغي على رجل إلا ذهب  وقيل : لكل عاثر راحمٌ إلا الباغي فإن القلوب مطبقة على الشماتة بمصرعه ..
 وقيل : ما أعطى البغي أحداً شيئاً إلا أخذ أضعافه  على الباغي ، ثم إن مفوّض تمهّل حتى طفيت النار فدخل مسكنه واستخرج جيفة ظالم فألقاها وتوطّن في مسكنه على حال تحفُّظٍ واحتراسٍ واستعداد لكيد الكائدين .." *

* من كتاب : مسالك الأبصار في ممالك الأمصار  ، تأليف محمد بن صالح بن الحسن العصامي الصنعاني ، تحقيق محمد بن علي الأكوع .

قرءاة : د. ياسين الشيباني 

أعلى الصفحة