المرصاد 

قال اينشتاين ذات يوم: هناك شيئان لا حدود لهما.. الكون وغباء الإنسان...د محمدالنعماني
الجنوب اليمني محتل من قبل دول تحالف العدوان والاحتلال السعودي الاماراتي. و الافعال في الواقع و الأقوال شاهدة على ذلك. كما أنَّ هناك إجماع في الأوساط السياسية في اليمن وفي العالم العربي و الاسلامي والعالمي بإنَّ دول تحالف العدوان و الإحتلال السعودي الإماراتي تقوم بفرض وقائع على الارض من خلال إستقطاع الأراضي اليمنية وإحتلالها وإجراء تغييرات في الديموغرافية السكانية، مثلاً في مناطق الحدود المشتركة مع السعودية في محافظة المهرة و في جزيرة سقطري وميون وبعض مناطق الشريط الحدودي مع السعوديه.
غير أنَّ الكثير من أبناء الجنوب يرون أن هذة الأساليب التي تقوم بها دول تحالف العدوان و الاحتلال ما هي إلا أساليب إستعمارية هدفها السيطرة و فرض الواقع. و أن الإمارات لم تأتِ إلى جنوب اليمن من أجل المساعدة و إنما جاءت لتنفيذ مصالحها وحماية أمنها القومي. وذلك من خلال السيطرة على المناطق الإستراتيجية الهامة في محافظات الجنوب. و تجسد ذلك بالتواجد العسكري الإماراتي السعودي في هذة المناطق الحساسة (مناطق حركة الملاحة الدولية والعالمية).
إلا أنَّ البعض من أبناء الجنوب (المرتزقة) يرون أن الإمارات جاءت من أجل تقديم المساعدة لهم في إستعادة الدولة الجنوبية. و منذ عام 2015 و حتى اليوم (6 سنوات من الاحتلال والعدوان على اليمن) لم تقم السعوديه و لا الإمارات بتقديم اي مساعدات لجنوب اليمن. حيث مازالت محافظات الجنوب تعاني من الإهمال والحرمان وإنعدام الخدمات المعيشية والصحيه وعدم توفر الماء و الكهرباء و الخدمات الصحية. وبالرغم من كل ذلك مازال الريال السعودي والدرهم الاماراتي يتلاعب بالنفوس والعقول و يزيف الوعي و يصنع الغباء في المحافظات الجنوبية و البعض من محافظات الشمال.
ويكشف -منير ابراهيم تايه- عن أساليب وطرق صناعة الغباء والتلاعب بالعقول؟ يقول :
لا أحد من الناس يستيقظ في الصباح ثم يقول لنفسه اعتباراً من هذا اليوم سأكون غبيا.. والناس يشكون من الغباء، ويرجِعون كل المشكلات الإنسانية التي تمر بهم إلى أفعال غبية تصدر من أناس أغبياء، فهل الغباء هو قصور عقلي فطري أم أمر مكتسب يصل إليه الإنسان بعد مرور ببعض الخبرات والتجارب الحياتية؟!
و يُعَرف الغباء باعتبارهِ حالة عقلية تؤدي إلى سوء التكيف مع الواقع،  كما تؤدي الى التصرف في عكس اتجاه المصلحة تحت ظروف اختيارية حرة دون إجبار، فيفقد الإنسان التأقلم مع المعطيات الجديدة وبالتالي تصدر عنه أفعال منافية للمنطق وللمصلحة.
مثلا لو سالت احدهم هل تحب طائر البوم؟ لأجاب: أعوذ بالله إنه قبيح ويجلب الشؤم. ولو سألته عن سر كرهه لما عرف بماذا يجيبك، رغم أن هذا الطائر بريئ لا يجلب شؤما ولا حظاً، و يكون الجواب لا ادري!! الكل يتشاءم منه… ومن سماع صوته؟
والغباء ـ كما ورد في مختار الصحاح ـ هو قلة الفطنة، والغبي هو قليل الفطنة، وفي قاموس وبستر: الغباء هو قصور في الفهم ونقص في الاستيعاب وكسل في نشاط العقل.. والانسان الغبي هو الذي يفقد القدرة على الربط بين الواقع الربط الصحيح ليصل إلى نتائج صحيحة ويتخذ القرارات التي تصل به إلى الفائدة المرجوة وصولا إلى تحقيق مصلحة مجتمعه وبيئته.
وكل مجتمع لديه تعريف معين للغباء، فثمة من يرى أن الاستعجال في اتخاذ القرارات غباء، وهناك من يرى أن وضع الأمور في غير موضعها الصحيح هو الغباء. ويمكن أن نحصل على تعريفات كثيرة للغباء للتعبير عن عملية عقلية معينة، ولكن مع اختلاف التعريفات يمكن القول إن الغباء هو قصور عملية الفهم وفشل تنفيذ العمل.. فمشكلة الأغبياء أن نتائج تصرفاتهم تضر الآخرين أكثر مما تضرهم شخصيا.
تقول الحكاية أن مجموعة من الاطفال كانوا يلعبون بجوار سكة حديدية يمر عليه القطار كل فترة، بينما اختار طفل وحيد اختار اللعب بمفرده بجوار خط اخر مهجور للسكك الحديدية.. وحين لمح عامل السكة الحديد القطار القادم أصابه الهلع خوفا على حياة الأطفال الذين يلعبون على خط السكة، الذى سيمر عليه القطار.. فكر الرجل بسرعة، وقرر تحويل مسار القطار ليسير على الخط المهجور، حيث إن هناك طفلا واحدا فقط يلعب هناك.. هو بذلك أنقذ حياة مجموعة الاطفال.. أى أن هذا القرار حقق أقل خسائر ممكنة!!
للوهلة الأولى يتبين لنا أن عامل السكك الحديدية قد اختار القرار الصحيح بمنطق الكم.. ولكن حين نفكر بمنطق الكيف سنكتشف انه قد اخطأ.. فالطفل الذى ضحى به عامل سكة الحديد كان أذكى الأطفال ، لأنه الوحيد الذى فكر واختار القرار الصحيح باللعب فى المنطقة الآمنة.. أما مجموعة الاطفال الاخرين الذين أنقذ العامل حياتهم فهم الأغبياء والمستهترون الذين لم يفكروا بطريقة صحيحة، واختاروا اللعب فى منطقة الخطر.
ربما يبدو ان هذا التحليل غير منطقي وغير عاطفي لدى البعض… إلا أن هذا هو الفارق الشاسع بين المجتمعات التي تصنع الذكاء والغباء بين افرادها.. فالمجتمعات الغبية تضحي بالأذكياء والأكفاء.. أما فى المجتمعات الذكية عند الدول المتقدمة فتلهث القيادات وراء العقول، وتنفق عليها، لان الأذكياء والعقلاء والنابهون يقودون المجتمع ويصنعون السعادة حتى للأغبياء أيضاً وهي مهمة ليست سهلة..
والدول الذكية هي التي تستثمر فى العقول، لان العقول هى التى تبني الدول وتدعم استقرارها السياسى والاقتصادى والاجتماعى.. وتدفع الى النمو والتقدم، تبحث عن المتفوقين، وتدفع بهم للواجهة لأنهم بعقولهم سيدفعون المجتمع للأمام.. أما الدول الغبية، فتقتل المواهب وتئد الأفكار، وتدفع بالأغبياء للصفوف الأولى لصناعة شعوب بلهاء تسهل السيطرة عليها، إنه فن صناعة الغباء، ليسقط المجتمع في الهاوية.. فالغباء والبلاهة تاج على رؤوس البلهاء..
مثال اخر على كيفية صناعة الغباء، نظرية القرود الخمسة، ذلك أن مجموعة باحثين وضعوا خمسة قرود في قفص، وعلقوا في مكان مرتفع منه موزة يتم الوصول إليها عبر سلم. وكانوا كلما تسلق قرد السلم ليصل إلى الموزة يرشون بقية القرود الأربعة بماء مثلج، ولا يتعرضون للقرد الذي سعى إلى الموزة. وبعدما تكررت محاولات الوصول إلى الموزة من قبل القرود الخمسة مع تكرار العقاب بالماء المثلج، بدأت القرود تنهال بالضرب على كل من يحاول صعود السلم.
أخرج العلماء أحد القرود الخمسة وأدخلوا مكانه قردا جديدا. حاول صعود السلم، فضربه القرود الأربعة. حتى اعتاد عدم السعي إلى الموزة. قرد ثان من جيل الماء البارد استبدل بقرد جديد. وتكررت النتيجة حتى تعلم عدم محاولة الصعود. وهكذا حتى تم استبدال جميع قرود الجيل الأول من ضحايا الماء المثلج، وبقيت قرود الجيل الثاني، التي لم تختبر العقاب، تضرب أي قرد جديد يحاول السعي إلى الموزة.
العبرة من ذلك، هي أنه تم صنع أساس المنع مع الجيل الأول من القرود الخمسة عبر العقاب الجماعي، والعبرة الأهم أن الجيل الثاني تبنى ضرب أي قرد يسعى إلى الموزة مع أنه (أي الجيل الثاني) لم يختبر العقاب بالماء المثلج، بل ورث قناعة ضرب من يقترب من السلم.
ما سبق هو مثال لعملية “صنع قناعة” لدى الرأي العام بالإكراه، ما يقتضي عقابا في المرحلة الأولى. إلا أن الأجيال الآتية تتبنى تلك “القناعة” تلقائيا، من دون الحاجة إلى إخضاعها للعقاب. فالغباء صناعة، يصنع كما تصنع الاحذية.. ويصنع كي يلبس … ولكن في الرأس لا في القدم..انه اسلوب حياة؟
وبعد كل ذلك مايجري من جرائم الابادة الانسانية جرائم العدوان والاحتلال بحق سكان اليمن الى جانب تزييف الوعي والتلاعب بالعقول وصناعة غباء بالريال السعودي والدرهم الاماراتي؟ نستطيع اليوم القول أنَّ المقاومة والثورة في الشمال والبيع والشراء والانتكاسة في جنوب اليمن.
نحن نحتاج  اليوم إلى الإلتفاف حول مجلس الإنقاذ اليمني لإنقاذ ما تبقى لنا من اليمن فالآمال لا زالت معلقة على شرفاء اليمن في تحقيق ذلك وإنهاء صناعة الغباء وصناعة القناعة بالاكراة.

 كتب: د محمد النعماني

أعلى الصفحة