المرصاد نتHashaf2019.5.3

(1)

الاحتجاجات تبدأ مطلبية و حقوقية و عندما تواجهها السلطات بالقمع و
الغطرسة كما يحدث الآن مع النقابيين في صنعاء لا تحل المشكلة رغم توهم
السلطة أنها أخمدت الصوت المطالب و أرغمته على ما تريد..

تظل تلك المطالب تظهر و تخبو، حتى تأتي اللحظة و يرتفع سقف المطالب حتى
تغدو مطالبة بإسقاط منظومة الفساد، ثم تصير سياسية، و تصير المطالبة
باسقاط منظومة الحكم من الرأس إلى الساس لحوحة و ملجئه .. و ما كانت
المطالب لتبلغ هذا المبلغ لولا غرور السلطة و القمع و نفاق و مزايدة
الأجهزة الأمنية التي تحاول أن تتقرب و تتزلف للصف القيادي الأول في هرم
السلطة بالكذب و المبالغة بالقمع..

(2)

كانت مطالب الجنوبيين في بداية الأمر حقوقية و مطلبية، غير أن السلطة
كانت مغرورة بالقوة و القمع و الثقة الخادعة .. فتحولت المطالب الحقوقية
إلى مطالب و احتجاجات سياسية، و ترافق ذلك مع قمع و نهب و فساد و إقصاء
للجنوب، ليقابله حراك انفصالي ظل يكبر و يشتد، و يتحول بفعل القمع و
التضييق و التسلط، و هشاشة قياداته و خواءها، إلى حراك في جله عدمي و
عنصري و مشبع بالكراهية، و وجد القادم المحتل ضالته فيه، و وظفه كحامل
سياسي لصالح أطماعه و أجنداته .. و ما كان هذا ليحدث لو كانت السلطة
آنذاك قد تعاطت أمام تلك المطالب بمسؤولية و حكمة و عدالة..

و ينطبق هذا أيضا على الحركة الحوثية التي بدأت بمطالب حقوقية، تم
مواجهتها دون حكمة بستة حروب، لتنتهي بجائحة تنتقم من كل شيء و أوله من
سلبية المجتمع حال ما كانت تعيشه من مظلومية، ثم قامرت بالوطن هي و غيرها
من قيادات القوى و الأحزاب التي حاولت الاستقواء بالخارج، و ساهمت في خلق
مبررات التدخل الأجنبي السافر و المعلن، و الكارثة أنها تحاول اليوم
ابتلاع المجتمع بأيدولوجيتها، و فرض تفاصيلها على كينونته و تفاصيل
حياته، بالغلبة و القوة و السطوة، و أوغلت في الفساد و القمع، و تحاول أن
تلغي بالغلبة كل مظاهر و معالم الدولة و المدنية و الإدارة و المواطنة في
المحافظات الخاضعة لها..

و اليوم صارت كل الأطراف تنتج وعيا مشوها و اقصائيا يمزق المجتمع، و
يفتته، و يشعل الكراهية بكل وجوهها الدميمة، و يسترخص الدماء، و يزهق
الأرواح، و يعيث في الأرض فسادا و توحشا و دمارا .. و صارت تلك الأطراف
تدعي أنها أقل قبحا و قمعا و دمامة من بعض، فيما نحن صرنا نرى أن الفرق
بينهن يضيق و يتشابه..

ثم تدرك قيادة السلطة الخطر المحدق عليها، و تقدم التنازلات و التوسلات،
و يكون الوقت قد نفذ، و موعد استحقاق اسقاط السلطة قد بدأ أو حان موعده،
و تكون الاحتقانات قد بلغت أشدها هنا و هناك، و لم تعد تفيد أو تجدي
صاحبها تلك التنازلات و التوسلات، فيسقط ما كان يظن أنه عصي عن الاسقاط
أو يعتقد أن سقوطه مستحيل..

(3)

اليوم صارت الاحتجاجات و الفعاليات و العمل المدني في المجمل ممنوعاً و
محرماً إن تعارض مع مصالح و فساد سلطات الأمر الواقع في صنعاء أو عدن أو
تعز أو مأرب أو غيرها .. و بعضها صارت تقمع النقابات و المواطنين على نحو
غير مسبوق، بل بعض السلطات مثل صنعاء باتت تتطلع إلى أن تمنع عنهم حتى حق
اصدار بيان نقابي أو حقوقي أو بيان مطالبة، و هو ما يعني ردة صادمة و
كبيرة، نحو الاستبداد و الاستفراد و الإقصاء و الفوضى..

توحش النهب و الفساد ليطول كل شيء .. نهب النفط و الثروة و الرواتب و
الموارد و الأرضي، و انتشرت العصابات و المافيات من كل نوع, و طال الفساد
حتى المنظمات الدولية التي يفترض أنها جاءت لتساعد أو تخفف عن الشعب
اليمني الجوع و الفقر و المرض و مآسي الحرب..

أما الانتهاكات فقد بلغت حد غير مسبوق .. القتل خارج القانون، و التعذيب
المريع، و قيد الحرية الطويل للأبرياء بتهم كاذبة، و مبررات واهية
كالاشتباه، و أيضا نسف المنازل، و مصادرة الأموال و الحقوق دون قانون أو
قضاء، بل جرى تسيس و تحزيب كل شيء له علاقة بالقانون أو الدستور أو
المؤسسات، من قبل سلطات الأمر الواقع هنا أو هناك..

كتب : القاضي : أحمد سيف حاشد - عضو مجلس النواب اليمني

أعلى الصفحة