المرصاد نت

لم يتبقى سوى الرقص على سقفِ الكعبة!Macah2020.2.11

كتب : أ .عبدالباسط الحبيشي*

 عندما كان إعلاء منظومة القِيَم الإسلامية الحقة التي ترتقي بالإنسان وتعلو من شأنه وترفع من مستواه وتسمو بكرامته، وعندما كان إرساء قوانين وفضائل الإسلام السمحاء هو الهدف الأسمى لبلورة الشخصية الإنسانية وتربيتها التربية الصحيحة لتقوم بدورها في إعمار الأرض وفقاً للرسالة القرآنية هزم هذا الإسلام بتعاليمه السمحاء أقوى إمبراطوريات الأرض ورَوّض النفسية البشرية من حالة التوحش والجهل الى حالة الحُب والتسامح والمعرفة والإرتقاء بالمشاعر الإنسانية الرفيعة فسادَ الإسلام الآفاق وساهم في تطور البشرية جمعاء. بل انه عندما تَبّنى روح ومضامين الرسالة الإسلامية وجوهرها لتحقيق العدالة وإرساء الحقوق ونشر السلام وعصم دماء المسلمين تمكنت قبائل أعجمية غير عربية من الإرتقاء بنفسها وقامت ببناء دُول وإمبراطوريات بسطت نفوذها على نطاق واسع من العالم.

وفي المقابل عندما انحرفت هذه الغايات عن مسارها بعد إنهيار المفاهيم العليا لمنظومة القيم الإسلامية بسبب عوامل كثيرة جداً وعلى سبيل المثال لا الحصر - سلعنة المرأة بذريعة مساواتها بالرجل، وهي في الأصل كائن أرقى من الرجل اذا لم يكن ارقى مخلوق على وجه الأرض - وتحويل مفهوم الإسلام الى مدرج إقلاع للوصول الى السلطة وتحويل المسلمين الى منافقين لصالح كل من وصل الى سدة الحكم، سقطت هذه المفاهيم عن منظومة القيم الإسلامية على كل المستويات السياسية والإقتصادية والإجتماعية والعسكرية والحربية فتحولت من أفكار ومفاهيم إخلاقية رفيعة المستوى الى شعارات جوفاء يمتطيها كل مغامر وتحولت فرائض الإسلام وواجباته الى طقوس يمارسها كل منافق وما الواقع الإسلامي الراهن إلا دليل واقعي ملموس عن هذا الإنحراف لاسيما في بلداننا العربية.

ولذا استغرب الكثير من حركته التي جعلته يصعد في فبراير من العام الماضي الى السطح المُقدس، سطح الكعبة المشرفة!! بينما لم تتجاوز المهاترات بين المسلمين وفقهائهم حول هذا الأمر دائرة الفتوى التي اقتصرت فيما اذا كان يجوز الصعود الى سطح الكعبة او لا يجوز، او هل تجوز الصلاة فوق سطحها ام لا تجوز، لكن لم يخبرنا احد منهم حتى الآن عن الغاية التي جعلت محمد سلمان يصعد الى سطح الكعبة من باب أولى.

بيد ان اي عاقل يتابع المتغيرات الجارية في السعودية عن عمليات الشقلبة الرسمية الشاملة للنظام السعودي في كل الإتجاهات الثقافية والدينية والسياسية والإجتماعية التي اتخذت اُسلوب الصدمة النفسية والثقافية، سيدرك ان النظام السعودي يتجه نحو موضعة شعب نجد والحجاز بشكل خاص والعالم العربي والإسلامي بشكل عام في دوامة اعاصير اجتماعية عاتية ستجلب على الجميع مخرجات تسونامية لن تحمد عقباها. وللعلم ان هذا التوجه ليس بإرادة الطغمة السعودية الحاكمة الحالية بل انه بتوجيه إدارة النظام الدولي الجديد في إطار إستراتيجية السيطرة الكاملة على العالم وإلا مااستطاع شابٌ غِر ان يطيح بكل مخضرمي ومعتقي النظام السعودي السابق دون أدنى مقاومة من اي جهة داخلية او خارجية فضلاً عن ما يحدث للمسلمين من اضطهاد في كل أنحاء العالم وعلى سبيل المثال لا الحصر ما يحدث لمسلمي الإيجور من قبل النظام الصيني وما يحدث للمسلمين في الهند اليوم الذي ينوي نظامها ان يسقط الجنسية الهندية عن مأتين مليون هندي مُسلم تمهيداً لسجنهم في مخيمات خاصة ربما للقيام بإبادتهم بعد ذلك.

لقد تجلت شرارة هذا التوجه الجديد ضد العرب والمسلمين بشكل اساسي وواضح عند التخلص القسري من كل القيادات السعودية السابقة التي انتهى دورها في تشويه الإسلام وبعدها التخلص من 'هيئة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر' المفاجئ واستعاضتها 'بهيئة الترفيه' في عملية نقيضة للنظام السياسي والإجتماعي السابق، تشبه الى حدٍ ما بالعمليات التحويلية الجندرية من رجل الى إمرأة او العكس التي يعتبرها البعض "حرية شخصية" بينما هي لا تمت بصلة للحرية الشخصية بل انها مرض نفسي خطير يفضي الى خلل إجتماعي شامل او انها في افضل الأحوال تشوه خلقي عند الولادة ويقتضي معالجتها. لكن الذي حدث في السعودية هو إنقلاب إجتماعي ديني ثقافي شامل وفجائي بما لم يسبقه ذلك في تاريخ تطور المجتمعات مما سيفضي الى كارثة اجتماعية قاتلة للمجتمع البدوي في الجزيرة العربية دون شك، لأن الإنقلابات الإجتماعية هي اخطر بكثير من كل الإنقلابات السياسية او العسكرية، ورغم ذلك لم ينبري علينا علماء الإجتماع وعلماء الإجتماع السياسي ليشرحوا لنا تداعيات هذا الإنقلاب الذي سيقضي على معتقدات المجتمع الجزيري بأكملها وسيمتد الى كل العالم الإسلامي، وفي هذه الحالة فإننا نقف امام كارثة كُبرى وهي ان هذه الشعوب ستتحول الى قطعان يقودها اي مستهتر رويبضي أمثال المعتوه بن سلمان.

ثمة من يقول بان ما يحدث في السعودية امر طبيعي ويندرج في إطار التطور الإجتماعي الذي طال إنتظاره، وهذا كلام خالي من الصحة تماماً لأن التطورات الإجتماعية لا تتم بقرارات سياسية ولا بتدخل حكومي إطلاقاً. إن اي تطور اجتماعي يحدث وفقاً للتغيرات الحضارية بناء لعوامل اجتماعية كثيرة ليس هنا مجال لشرحها.

إذن فأنه لا شك بأن اي عاقل متابع للتطورات في السعودية لن يفت من ذهنه بأن صعود هذا الْغَرِ الى سطح الكعبة لم يكن إلا ليتخيل الجمع المهيب للأعداد الهائلة التي تأتي من كل أنحاء المعمورة لتطوف حول الكعبة بينما يقارن ذلك بإمكانية تحويل هذا السقف الى خشبة تقف عليها أشهر الفِرق الموسيقية في العالم تغني كل ليلة انواع مختلفة من الموسيقى الصاخبة على مدار العام لملايين من السياح الذين سيتقاطرون من كل أنحاء العالم الى مملكته الشيطانية.!! ولا شك انه تخيل ان الكثير ممن يتمنى ان يزور هذا المْعلم الديني التاريخي العظيم سيُمنح هذه الفرصة ولكن ليس للحج والعمرة بل لقضاء أوقاتاً شيطانية ماجنة على خلفية الترنيمات الروحانية للحج "لبيك اللهم لبيك ........” وسيكون هذا الصخب على مدار أربعة فصول في العام، بدلاً عن ايام قليلة فقط مماسيدر عليه عوائد مالية ضخمة مقارنة بموسم الحج وبيع المسابح.

فإذا ظل هذا النظام السعودي في الحُكم لا سمح الله فأقراؤ على العالم الإسلامي والشعوب الإسلامية السلام وستتحول الكعبة الى مرقص ليلي كبير، وحين يأتي ذلك اليوم لا سمح الله سيكون هذا اليوم هو يوم الْخِزْي والعار العالمي لكل العرب والمسلمين في العالم وما يتبع ذلك من تداعيات تدميرية لشعوب العالم بأسره.

إن هذا التغيير في توجه السعودية لم يأتي بليلةٍ وضحاها ولا يمكن ان يستهدف السعودية فقط بل انه يشمل العالم الإسلامي بأكمله لإجتثاث الإسلام والمسلمين معاً، فمثلما كان قرار إنشاء الوهابية وانتشارها التي قطعت شوطاً كبيراً لتشويه الإسلام التي لم تكن تستهدف السعودية فقط بل العالم الإسلامي برمته، وبالتالي فإن القضاء على الإسلام راهناً لا يقتصر على السعودية وحسب بل على العالم الإسلامي بأكمله ايضاً. فلا يوجد إذن من يمثل هذا التوجه الجديد الفاقد للحياء والإنسانية افضل من بن سلمان الذي ارتكب كثيراً من المجازر والجرائم على مستوى العالم بكل جرأة وبدون عقاب.

وعلى نفس هذا السياق بِتنا نرى ونشاهد بأم اعيننا هذه الأيام إنحرافات علنية كانت في الماضي تتم بشكل سري ليس من قِبل اعداء الإسلام بل ان من كان يقوم بها ويقود توجهاتها ويروج لها هُم من ادعوا يوماً بأنهم حراساً للدين الإسلامي وخداماً له، وهذا يعني اننا كمسلمين قد تم الكيد لنا بخدعة إستراتيجية كبيرة جداً منذُ فترة طويلة من خلال التسلل الى موروثاتنا الثقافية والفكرية لإجهاض حركة تطورنا من الداخل وشل حركة عقولنا وأنفسنا من فكر قويم الى أفكار منحطة سالبة وذلك من اجل ان يتسنى تسليم مصيرنا بالكامل للطرف الآخر دون مقاومة بإستثناء المقاومة بالكلام الفارغ دون سياسات وبرامج مضادة. كل هذا حدث ويحدث دون ان تقم لنا قائمة لأن منظومة القيم التي بناها الإسلام في أنفسنا قد تم تجريدنا منها تدريجياً فأصبحنا كغثاء السيل وعدنا بدونها الى عصر ماقبل الجاهلية وأصبحنا أعداداً ضخمة كالقطعان نسير على غير هُدَى او إلى حيث ألقت رحلها أم قشعم.

لقد تم إختراقنا بعوامل كثيرة اهمها عن طريق تعطيل وتحريف مقاصد النصوص وإفراغها من مضامينها وعلى مراحل فقد تم غزونا بأفكارٍ دخيلة مثل صناعة الطبقات الإجتماعية بين المسلمين وفقاً لسلالاتهم الخرافية؛ هذا سيد وهذا رعوي، هذا هاشمي وهذا قبيلي، هذا عِتْرَة من آل البيت وهذا بعرة من الشارع، هذا من عيال فاطمة وهذا من شيعة علي، هذا أموي وهذا عباسي، هذا قنديل وهذا قلقيل وهذا زنبيل، هذا من آل الحسين وهذا من اتباع معاوية، هذا سُني وهذا شيعي، هذا زيدي وهذا شافعي، هذا شيعي زيدي وهذا شيعي شافعي وهكذا ... رغم ان كل هذا الزيف مخالفاً للإسلام وطبيعته ورسالته العالمية (واعتصموا بحبل الله جميعاً ولا تفرقوا) "الناس سواسية كأسنان المشط، لا فرق بين عربي وأعجمي الا بالتقوى". بينما كل هذا الهُراء كان إختراقاً خارجياً متدرجاً على مدى قرون حتى وصل الأمر الى تشويه مقاصد الإسلام والحط منها لدرجة ان يصبح المسلمون يخجلون بانهم مسلمون ومن ثم يتم القضاء على الإسلام نهائياً.

السؤال الذي يطرح نفسه ولم أرى له إجابة صريحة حتى الآن هو لماذا يريدون التخلص من الإسلام؟؟؟؟ هل هي كراهية للدين الإسلامي كثقافة؟ طبعاً لا ،، لأنهم يسمحون ببناء المساجد والصلاة فيها في كل بلدان الغرب!! هل سببه الإرهاب فعلاً الذي ينسبونه للإسلام، طبعاً لا ايضاً ،، لأنهم من صنعوه ؟؟ ام هو الخوف من انتشار الإسلام؟؟؟ وماذا في ذلك طالما ان الكل يعمل؟ الإجابة إذن بإختصار شديد هي ان النظام الإسلامي المتضمن لقوانين الشريعة الإسلامية "السمحاء" يختلف إختلاف شاسع عن النظام العالمي الجديد وتطبيقاته القانونية الذي يتغول كل يوم على حساب حرية الإنسان وكرامته وليسمح بالمزيد من الجشع ومزيد من القهر والسيطرة على العالم وموارده. وهذا مالا يراه الناس راهناً لأن بعضهم منشغل بالصراع اليومي المتصاعد على مستوى العالم الإسلامي والبعض الآخر مهموم بتأمين لقمة العيش من أجل البقاء على قيد الحياة.

*المنسق العام لحركة خلاص اليمنية

صفحتنا على الفيس بوك

كاريكاتير

أعلى الصفحة