li bukhaiti-6-1-2014

المتابع للمتغيرات الأخيرة في موازين القوى في الداخل، يلحظ إزاحة لمراكز وتمدداً لأخرى، اندفاعاً لأطراف وانكفاء لأخرى، تلك عجلة التاريخ "الطبيعية" لمن درس حال الأمم الماضية.

الذاكرة الجمعية للمواطنين المقهورين قد لا تنتج حراكاً واضحاً ضد طرف ما، لكنها بالتأكيد تنتج حالة من السلبية تجاه ما يحصل لذلك الطرف، فالغالبية الساحقة من المواطنين يشعرون أنهم غير معنيين بالصراع الدائر الآن، فلم ترتبط مصالحهم وأحلامهم بتيار ما بعد 67، ولم يشعروا أنهم جزء من ذلك النظام أشخاصاً ومؤسسات، عاشوا على هامش الأحداث، يسمعون جعجعة، لكنهم لم يروا الطحين.

اليوم، تحاول الأطراف المهزومة إيقاظ المواطنين، استدرار عطفهم، مغازلة طبقاتهم، طائفيتهم، مذهبيتهم، لكن دون جدوى، أتدرون لماذا؟

لم يحسوا أبداً بآدميتهم خلال العقود الماضية، تم استخدامهم كأدوات في الصراع والحرب، وحتى في الانتخابات، استقطب المطبلون منهم، ودفع لهم الثمن، ولحق المحتاجون وراء عجلة العمل والرزق ومصاريف اليوم.

غاب المشروع، وغابت الرؤية، وغاب التخطيط، وغابت الدراسات العلمية، وغاب علم الاجتماع، وحضر مكانها البسط والنهب والسرقة والرشوة والمحسوبية والفساد الذي أزكم الأنوف، وطفح حتى أصبح واضحاً للعيان كالجريمة المشهودة.

من أتخمهم الفساد أصبحوا أذلاء لثرواتهم، ومن أغرتهم المناصب أصبحوا عبيداً لها، فلم يجدِ استنهاضهم، بل أصبحوا جاهزين لإعلان الولاء بناء على المثل اليمني المعروف: "من تزوج أمنا كان عمنا".

ذلك ما صنعته أيديهم خلال العقود الماضية، ها هم الناس يفرون منهم، البسطاء لم يشعروا يوماً بحنيتهم عليهم، والفاسدون يرتبون وضعهم مع القادم من وراء الجبال، والمطبلون جاهزون لكي يُغيروا الكلمات فقط مع بقاء نفس الألحان.

مشكلتهم الرئيسة أنهم يخوضون معاركهم بعناوين مستهلكة عفا عليها الزمن، ملتها الآذان، ولم تعد تقوى على الاستماع إليها، فكيف بالقتال ذوداً عنها؟

فيما الطرف الآخر غير أدواته وجددها، وحولها إلى مشروع سياسي يتفق مع الواقع الجديد، المحلي والإقليمي والدولي.

قدم نفسه جيداً في مؤتمر الحوار برؤية أكثر مدنية من بعض الأحزاب اليسارية والليبرالية، ليس باعتبارها رؤية السماء، بل لأنها رؤية الأرض والواقع، لأنه استوعب دروس الماضي القريب جيداً، واستوعب كذلك المتغيرات التي حصلت، وعرف منذ وقت مبكر أن عناوين ما قبل عام 62، لم تعد مقبولة لدى الغالبية العظمى من أبناء الشعب، بمن فيهم أغلبية بسيطة من حاضنته الشعبية المناطقية التاريخية، عرف حينها أن استجرار تلك العناوين سيدخله في معركة داخل مكونه الأم، قد تقضي عليه قبل أن تسمع به بقية المكونات.

قدم واقعاً آخر أمام المواطن، أمناً واستقراراً، خدمات عامة، عدالة سريعة، وعندما يتطابق الجانب العملي مع النظري، سرعان ما يقتنع المواطن بالمشروع الجديد على اعتبار أنه الأكثر مصداقية.

الآخرون، أين مشاريعهم الجديدة؟ أين نموذجهم العملي؟ أين ما يمكن أن يغري المواطن ليبقى وراءهم دون مرتبات وصرف أسلحة ومناصب؟

أين الدولة التي مُنحوا فرصة لبنائها خلال العقود الماضية؟ لماذا يستنجدون بها اليوم وهم من ذبحها ونهبها وسرقها وحولها الى إقطاعية خاصة؟

لا شيء من كل ذلك، أعادوا الخطاب القديم بغباره، وأسقطوه على الواقع المعاش حالياً، ذلك الخطاب كان مخصصاً لجيل آخر، ولأوضاع أخرى، ولنظام وقتها كان حاكماً، فلم يصنع الزبيري والنعمان وغيرهما من الأحرار، ذلك الخطاب لمواجهة معارضة قادمة من جبال مران، ومتسلحة بفشلكم الذريع على كل الأصعدة، وبنجاحهم العملي قبل النظري خلال سنوات في توفير ما عجزتم عن توفيره خلال عقود.

لا أستغرب ذلك منهم، بحكم ثقافتهم وقدراتهم المعرفية المحدودة، لكني أستغرب ذلك التوصيف للمعركة -ملكية جمهورية- من مثقفين وكتاب لهم وزن، غلبهم العقل الباطن المُشبع بالمناطقية والمذهبية والطبقية، فتمترسوا وراء نفس الخطاب، وأعادوا إنتاجه وبعث الروح فيه.

تجد المثقف منهم عابراً للمذاهب، بل وللأديان في أحيان كثيرة، عابراً للأزمنة والعصور، عابراً لكل التقاليد والثقافات، لكنه في لحظة تعصب واستسلام للرواسب التي لا تزال عالقة في باطنه، يكرر نفس العبارات التي تخرج من أفواه البعض الذي لا يجيد إلا العيش في ظل صراع طبقي مذهبي مناطقي، لأنه لا يملك مشروعاً آخر، وأصبح المثقف يحاكم النيات كما الخصم السياسي.

هذا المثقف أو ذاك الكاتب المرموق يناصر فجأة أطرافاً، ويستجر نفس عباراتهم، وينضم إلى معركتهم في الدفاع عن الثورة والجمهورية ومكتسباتهما، وهو متيقن أنهم عاشوا وما زالوا على أموال الملوك والسلاطين والأمراء، يتسولونهم الى اليوم، وبفارغ الصبر ينتظرون أكتافهم وجباههم ليقبلوها، لكنهم في الداخل ينبرون للدفاع عن الجمهورية ضد الملكية المتوهمة.

يا حبيبي، يا مثقف، يا كاتب، يا من قرأت كل الروايات؛ لا يجوز أن تنضم لتدافع عن الجمهورية ضد "الملكية المتوهمة"، مع أطراف تغرق من رأسها حتى أخمص قدميها في أموال الأنظمة الملكية والأميرية المجاورة، دعهم في البداية يتحللون من الارتزاق لتلك الأنظمة التي تتناقض كلياً مع "الجمهورية".

أعلى الصفحة